الخميس، 9 أغسطس 2012

شيوخ الفتنة في السعودية يحرضون أمريكا عليها

شيوخ الفتنة في السعودية!  سلالة ابن العلقمي في القطيف والأحساء

شيوخ يقومون بعمالة مزدوجة لإيران وأمريكا

إذا صحَّت المعلومات الواردة في المقال التالي، الذي يعرض مراسلات دبلوماسية أمريكية نشرها موقع ويكليكس، يتضح لنا بجلاء الدور الذي تؤديه الشخصيات الطائفية في التحريض على أوطانها، دعماً لمشروع تفتيت الأقطار العربية، الذي تبدو المملكة العربية السعودية أبرز المرشحين له، بعد أن تحقق للوحش الأمريكي مشروعه الاستراتيجي بإسقاط النظام الوطني في العراق، واحتلال هذا القطر الذي يمثل أحد أهم ركائز قوة الأمة العربية وأهم معالم مشروع النهضة العربية، بدعم وإسناد من جانب عدد من أقطار الخليج العربي، بكل أسف، وجار السوء الشرقية، إيران.



زعيم شيعي سعودي يحرض الأميركيين على السعودية


عبد العزيز الخميس

أحدثت وثائق دبلوماسية أميركية سرية سربها موقع "ويكيليكس" في أواخر اغسطس/آب الماضي، ضجة كبيرة في السعودية لتضمنها معلومات مهمة عن العلاقات الأميركية بالطائفة الشيعية السعودية.
ومما أثار اللغط والاستهجان طلب بعض زعماء الطائفة الشيعية من الولايات المتحدة القيام بالتدخل العسكري في السعودية كما فعلت في العراق.
الباحث السعودي عبدالعزيز الخميس يقرأ بعض التسريبات ويبين أهميتها للخطوات المبذولة نحو التقريب بين الطوائف في المملكة، وتداعيات ذلك على السلم الأهلي في السعودية.
*****

حينما يجلس ناشط من العالم الثالث مع دبلوماسي يمثل أقوى دولة في العالم قد يعتقد هذا الناشط حتى لو كان رجل دين أن ذلك الدبلوماسي قد يكون أداة لتحقيق أحلام وآمال الناشط ومن يمثلهم.
لكن أن تكون الأداة هي من يتهمها مرجعيات هذا الناشط بأنها الشيطان الأكبر ومصدر الشرور في هذا العالم وحليف الديكتاتوريات العربية إن لم يكن حامي حماها فهذا يعني أن هناك خطأ ما وهذا ما احدثته بعض الوثائق التي سببت ضجة كبيرة وقد تضر بعلاقات الطائفة الشيعية بالمجموع الوطني السعودي منها الوثيقة "رياض4206" بتاريخ الثالث من يناير/كانون الثاني عام 2006.
تقول الوثيقة إن القنصل الأميركي في الظهران التقى مجموعة من كبار الطائفة الشيعية في الاحساء الذين تسابقوا للتعبير عن سعادتهم باحتلال الولايات المتحدة للعراق. 
حسين علي العلي
تم اللقاء في منزل رجل أعمال شيعي اسمه حسين علي العلي وهو رجل أعمال، وعلى مائدة غداء حساوية فاخرة في الثامن والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2005 حيث اجتمع القنصل الأميركي رامين اسغارد بمجموعة من وجهاء الطائفة الشيعية في الواحة الزراعية الأحساء شرق السعودية.
خلال الغداء شكر بحماس ثلاثة من الضيوف الولايات المتحدة على احتلالها العراق وهم الشيخ هاشم السيد محمد السلمان وهو رأس الحوزة في الأحساء والوحيد المسموح له بالعمل الديني في السعودية حسب وصف القنصل له (هذا الوصف غير دقيق حيث أن هناك الكثير من المعلمين والشيوخ الشيعة يعملون بحرية في المملكة)،  
هاشم السيد محمد السلمان
والضيف الثاني هو الشيخ عادل بوخمسين وهو رجل دين من أسرة ثرية تمتد اوصالها الى الكويت، 

عادل بوخمسين
والمحامي والناشط صادق الجبران المقرب من الشيخ حسن الصفار.

صادق الجبران
وقال الثلاثة إن "فتح" العراق وتقديم الديموقراطية للعراقيين والحرية التي يعيشها العراقيون الشيعة تمثل تطورات مهمة.   
وما فاجأ القنصل الأميركي اسغارد هو تعليق ساخن وقوي من الشيخ عادل بوخمسين الذي قال: "ماذا يمنع الولايات المتحدة من صنع نفس الاشياء في السعودية؟ هل هو النفط؟".
وطفق بوخمسين بعد ذلك يشرح التعصب والتطرف الذي يسود بلاده وان المدارس السعودية مليئة بنصوص التطرف والتشدد، ليتبعه بعد ذلك صادق الجبران الذي اتهم مؤتمرات الحوار الوطني التي تعقد برعاية الملك بالنخبوية وانها لا تصل الا لعلية القوم في المملكة. وان ما يعرض في التلفزيون السعودي من مراجعات للجهاديين لا يراها احد وانها من صنع السعوديين لاقناع الأميركيين ان هناك عملاً جدياً ضد التطرف.
بعد ذلك بدأ الجبران بكائية طويلة حول حقوق الشيعة السعوديين وان حوزة الاحساء تحتاج إلى ان تسمح لها الحكومة السعودية بتغيير مقرها الصغير لأكبر منه وعلى الشارع العام وكأن القنصل الأميركي يهمه اين يقع مقر الحوزة.
التخوين
بالكشف عن هذه الوثيقة المحرجة للمنادين والمصرِّين على ولاء الشيعة السعوديين لبلادهم بدأت سلسلة من الاتهامات تنال من زعماء الطائفة الشيعة.
وكان الشيخ حسن الصفار الذي يكاد يكون زعيم الطائفة والناطق باسم مصالحها يكرر بين الفينة والأخرى التزام الطائفة بالولاء للوطن السعودي والقيادة في المملكة، لكن ما نشر في ويكيليكس قدم للجناح السلفي المتزمت على طبق من ذهب الفرصة لتأكيد ادعاءاتهم بأن ولاء الشيعة في المنطقة الشرقية السعودية ليس لبلادهم وان تصريحات الصفار لا تعدو عن كونها "تقية".
حسن الصفار
وكان الشيخ حسن الصفار قد صرَّح في عدة مرات أن مسألة الولاء للوطن تأتي في سياق الرد الضمني على الولايات المتحدة الأميركية التي تتحدث باسم الأقليات الدينية والعرقية في المنطقة.
ويؤكد الصفار أن المراهنة على الأميركيين وإن تمت من قبل الشيعة أنفسهم مراهنة خاسرة، والمطلوب تأكيد مبدأ الوحدة الوطنية، وسد الثغرات أمام الأعداء بدلاً من تبادل الاتهامات، والجلوس إلى طاولة الحوار مع المسئولين لحل المشكلات الراهنة.
تصريحات الصفار هذه يناقضها ما تقوم به شخصيات شيعية محترمة حين جلوسها مع المسؤولين الأميركيين، حيث تبدأ سلسلة من الانتقادات لعدم التدخل لنصرة الشيعة في السعودية، لذا ينتظر السعوديون من الشيخ عادل بوخمسين وغيره ممن تناولتهم وثائق ويكيليكس الظهور لتبرير تصريحاتهم وتبيان صحتها.
القضاء وصراع الزعامة في القطيف
الأمر الآخر الذي أثارته وثائق ويكيليكس الأخيرة أهمية منصب القاضي في محكمة الأوقاف والمواريث الشيعية في القطيف وكيف أصبح نموذجاً مهماً على الصراع على الزعامة في القطيف.
ففي ظل محدودية العمل السياسي في المملكة، وندرة المناصب القيادية التي يتسنمها الشيعة وكذلك التغيرات داخل الجسم الشيعي وبروز قيادات شابة تحاول إبعاد الزعامات التقليدية القديمة والمستندة على إرث العائلة أو الثروة.
في ظل كل ذلك تدور معركة شرسة بين القيادات الشيعية للحصول على حق تمثيل الشيعة إما أمام العائلة المالكة السعودية أو أمام المراجع الدينية في النجف أو قم.

جعفر الشايب
تكشف إحدى وثائق الويكيليكس جانباً من هذا الصراع داخل الطائفة الشيعية؛ ففي الوثيقة رقم "رياض9142 05" بتاريخ 13 ديسمبر/كانون الأول 2005 ان الناشط جعفر الشايب والذي شغل منصب رئيس المجلس البلدي في القطيف قد التقى آنذاك بالقنصل الأميركي في الظهران جون كينكانون حيث ابدى له عدم أسفه على تغيير الحكومة السعودية قاضي الشيعة في القطيف عبد الله الخنيزي لأنه كان غير فعال ونشيط لخدمة مجتمع الطائفة الشيعية.
وشرح الشايب للقنصل الأميركي أن هناك قوى اجتماعية جديدة تقوى يوماً بعد آخر في القطيف.
وأكد الشايب أن الشيعة مسرورون بإشارات الملك عبد الله الإصلاحية لكنهم لا يرونها على أرض الواقع من حيث منح الشيعة المزيد من الحريات الدينية. 

محمد محفوظ
وأسهب الشايب ومعه زميله محمد محفوظ وهو كاتب صحفي في جريدة الرياض في شرح أن التعددية في العراق إن تمت في جو آمن ستعطي مثالاً طيباً لحكومات المنطقة.
وقام الاثنان بالتقليل من حجم النفوذ الإيراني على شيعة المملكة مستبعدين ان يكون لطهران نشاط في التأثير على شيعة القطيف والأحساء. 
بعد الاجتماع يوصي القنصل زملاءه في الخارجية الأميركية بأن ينتبهوا للوضع في القطيف والصراع الدائر على النفوذ داخل الطائفة الشيعية فيها.
يقول القنصل الأميركي كينكانون أن جعفر الشايب أخبره أن وزارة العدل السعودية ستقوم قريباً بتغيير القاضي في محكمة الأوقاف والمواريث الشيعية (المحكمة الجعفرية، سابقاً) عبد الله الخنيزي وستعين قاضياً آخر هو غالب الحمد من جزيرة تاروت والذي عاد مؤخراً من إيران بعد ان قضى وقتاً طويلاً يدرس في حوزة قم حيث أتم علومه هناك، ويتمنى الشايب للحمد بالتوفيق وان يعمل مع وزارة العدل على دعم سلطة المحكمة وزيادة قدراتها وخدمتها للمجتمع الشيعي السعودي.
عبدالله الخنيزي
ويسأل القنصل الأميركي جعفر الشايب لماذا تريد وزارة العدل السعودية تغيير القاضي الخنيزي، فيجيب الشايب أن السبب هو أن هناك قوى جديدة داخل الشيعة لا تريده.
 
ويواصل الشايب ـ الذي كان قبل أسابيع في رحلة علاجية الى الولايات المتحدة ـ الشرح بأن هناك قادة تقليديين من عائلات كبيرة وتجاراً أغنياء وزعماء دينيين تقليديين لم يعودوا يمثلون تعددية المجتمع الشيعي.
ويشير الشايب إلى أن الانتخابات البلدية أبرزت بوضوح أن هناك قوى جديدة من الشباب حتى في الزعامة الدينية، وأن هذه القوى الدينية الشابة تفكر بشكل اكثر تحرراً من السابقين في اشارة الى الخنيزي.
ويعتقد الشايب ان القاضي الجديد غالب الحمد سيكون منفتحاً وقادراً على معالجة مشاكل عديدة تعترض الطائفة وعلاقتها مع وزارة العدل.
ويبرز الشايب كيف أن رغبات الطائفة هي التي أسقطت الخنيزي وهو من عائلة تقليدية نافذة وكبيرة ويمثل المؤسسة التقليدية، لصالح الحمد وهو من عائلة أقل نفوذاً وحجماً ومن خارج القطيف.
ويشرح الشايب للقنصل الأميركي كيف أن شيعة القطيف يرحبون بإشارات الملك عبد الله الإصلاحية لكنهم لا يرون أي تقدم على أرض الواقع فهم غير ممثلين في الحكومة بشكل جيد كما أنهم ومنذ ثلاثين عاماً لم يعين أحدهم عمدة حتى في منطقتهم وجميع المسؤولين الحكوميين في القطيف هم من خارجها.
ويسأل القنصل جعفر الشايب رئيس المجلس البلدي المنتخب في القطيف عما يريده شيعة القطيف من الحكومة السعودية فيرد الشايب "نريد نهاية للتمييز ضد الشيعة وحريات دينية أكبر ككتب دينية شيعية وأن يدرس أبناؤنا مذهبنا الشيعي من وجهة نظر شيعية وأن يكون للشيعة معلمون دينيون شيعة".
وناقش الشايب ومحفوظ مع القنصل الأميركي علاقة بعض الشيعة بتفجير الخبر عام 1996 حيث أكدوا ان المتهمين لم يحاكموا ومن حوكم منهم لم يحاكم بعدالة أو لم يتلقَّ عقوبة حتى الأن.
وبشكل خطابي ـ على حد وصف القنصل ـ يتدخل محفوظ في الحوار ليشير الى أن الحكومة السعودية تعيد تأهيل المتعصبين ممن يعودون من الجهاد في العراق، ويدعونهم يذهبون طلقاء؛ فلماذا لا يقومون بنفس العمل مع المساجين الشيعة؟
ويتحدث الشايب عن أن الإصلاحيين الليبراليين وهو احدهم يمنحون الملك عبد الله وقتاً حتى يطرح عمليات إصلاحية بهدوء ودون ضغوط.
ويقول الشايب "المتعصبون السنة هم من يضغطون عليه في الوقت الراهن".
ويشير الشايب ان الاصلاحيين الليبراليين يقومون حالياً ببناء جسور مع مؤسسات المجتمع الدولي المختصة بحقوق الانسان.
ثم ينتقد الشايب العمل الحكومي الأميركي لترويج الديموقراطية في المنطقة وانه غير فعال ويخلق شكوكاً لدى المواطنين حول طرق وأهداف الولايات المتحدة.
ويبدي جعفر الشايب الناشط الشيعي السعودي ورفيقه محفوظ تفاؤلهم بما يحدث في العراق، وانه سينعكس ايجابياً على المنطقة.
ويقول الاثنان إن شيعة السعودية فرحون بسقوط صدام، ولعب الشيعة في العراق دوراً كبيراً في الحكومة العراقية الحالية لكنهم يخشون من عودة المجاهدين السنة من العراق الى السعودية وحدوث مشاكل مثلما حدثت بعد عودتهم من افغانستان.
إيران
وينفي الكاتب الشيعي محمد محفوظ أي نفوذ إيراني في أوساط شيعة السعودية.
فيتساءل القنصل الأميركي عن الطلبة الشيعة السعوديين الذين يسافرون إلى إيران، فيبادر محفوظ بالإيضاح "هناك حدود فاصلة بين المدارس الدينية والحكومة، وان كل مدرسة تتبع لمرجع ديني، وهو من يمول المدرسة وطلبتها".
جون كينكانون
ويحاول الشايب ومحفوظ الشرح للقنصل جون كينكانون أن الدراسة في قم لا تعني اتباع الخط الثوري الايراني أو توجيه الطلبة نحو الايديولوجيا الإيرانية. وأن ذهاب الطلبة الشيعة السعوديين الى ايران سببه صعوبة ذهابهم الى النجف في العراق خلال العقود الماضية.
ويقول الشايب ومحفوظ ان معظم الطلاب السعوديين يدرسون في مدارس تابعة للمرجعين السيستاني والنجفي وليس في المدارس التابعة للايرانيين.
ويقول القنصل الأميركي إن جعفر الشايب حاول تعزيز وجهة نظر محفوظ بقوله إن الإيرانيين لديهم تأثير عبر منح الفيز والرخص للطلاب السعوديين كي يدرسوا في إيران.
وينتقل الشايب فجأة ليؤكد وجود حزب الله ـ الحجاز في القطيف وانه لا يزال يعمل هناك لكنه يؤكد أن نشاط هذا الحزب يقتصر حالياً على النواحي الاجتماعية والثقافية فقط وانه لم يعد مهتماً بنشر الفكر السياسي الثوري كما كان.
ويدافع الشايب ـ وهو بالطبع لا يعرف ما قاله الشيخ بوخمسين ـ عن ولاء الشيعة في المنطقة لدولهم ويمثل بموقف شيعة البحرين في السبعينات عندما رفضوا الوحدة مع ايران.
عين النسر الأميركية
يحلل القنصل الأميركي جون كينكانون لقاءه بالشايب ومحفوظ بأن الأول يضع قدماً مع التيار الليبرالي والأخرى مع التيار الإسلامي، وأنه يدعم حقوق الإنسان والاصلاح السياسي، وقد وقع على الكثير من الخطابات الداعية للإصلاح في المملكة. وفي الوقت نفسه هو على علاقة قوية بالشيخ حسن الصفار وتلقى دعماً كبيراً من الإسلاميين الشيعة في انتخابات المجلس البلدي.
ويقول القنصل إنه لم يحاول إثارة موضوع الشيخ حسن الصفار مع جعفر الشايب لأن الأميركيين يشكون في أن الاثنين وراء الضغوط لتغيير القاضي الخنيزي والإتيان بقاضٍ حليف لهما سياسياً.
وينتقد القنصل جون كينكانون تعليق الشايب حول أن تغيير القاضي الخنيزي كان بسبب قوى جديدة وأن الشايب لم ينجح في تفسير ما هي القوى الجديدة، ويصف القنصل ذلك بأنه غامض وغير مقنع.
ويعلق القنصل الأميركي بأنه من الصعب على حسن الصفار وجعفر الشايب الحصول على قيادة شيعة القطيف بسهولة وعبر التحالف مع القوى الليبرالية والإسلامية، ويعلق القنصل بأنه سيتابع ما يحدث عن قرب على الرغم من أنه يرى ان الوضع لتغيير القاضي الخنيزي سيكون مليئاً بالتحديات. (تم تغيير القاضي الخنيزي وتعيين غالب الحمد قاضياً بقرار ملكي فيما بعد).
الخلاصة
لا يمكن اعتبار تصريحات بعض زعماء الطائفة الشيعية ممثلة لغالبية أبناء الطائفة وأنهم ضد بلادهم ويطالبون بتدخل عسكري أو إطاحة بنظام الحكم السعودي بل انها ليست تصريحات تعبر عن شريحة داخل الطائفة الشيعية.
والخطورة في هذه التصريحات ليست لأن الأميركيين سيمتثلون لها ويعتبرونها تشريعاً لهم للتدخل العسكري في السعودية، بل الأخطر من ذلك انها تزيد من عمق الخلاف والفرقة داخل المجتمع السعودي وتمكن المتشددين في الطرف السني من استخدام تصريح مثل ما قدمه عادل بوخمسين دليلاً لا يدحض على عمالة بعض الشيعة وانهم كما تنص الأدبيات السنية "أحفاد ابن العلقمي" وهي رواية تاريخية حين سقطت بغداد أمام المغول عن خيانة وزير شيعي يدعى ابن العلقمي للخليفة العباسي.
كما تبين الوثائق التي تسربت مدى عمق الصراع داخل الطائفة الشيعية على الزعامة فحسن الصفار من جهة والوجهاء من العائلات التقليدية الكبيرة من جهة اخرى.
ويبدو ان قدرة الصفار على التحاور مع الحكومة السعودية وانفتاحه على الخارج وحيازته لشعبية بين شباب الشيعة بسبب نضاله الطويل لمصلحة حقوق الطائفة واعتداله في خطابه يمكنانه من الحصول على ثقة الشيعة والحكومة السعودية في آن معاً.
وبعد أن أثارت وثائق ويكليكس ما تثيره حالياً من لغط حول الولاء الوطني للطائفة الشيعية يجب ان يقوم الصفار بعمل يعيد الثقة بعدم وجود أحفاد لابن العلقمي في الاحساء والقطيف.
كما ان هذه التصريحات والاستعداء من قبل شخصيات شيعية مهمة للولايات المتحدة ضد بلادهم تقدم تبريراً قوياً للحكومة السعودية في عدم تولي هؤلاء لمناصب حساسة في الحكومة وعلى الأخص في القوى الأمنية.

الكاتب:
الصحفي العربي السعودي، عبد العزيز الخميس، سبق له ان عمل في صحيفة (الشرق الأوسط)، ورأس تحرير مجلة (المجلة) السعوديتين، الصادرتين في لندن.

الثلاثاء، 7 أغسطس 2012

القنوت ومعانيه


" القُنُوتُ : الطَّاعَةُ " هذا هو الأَصلُ ومنه قوله تعالى : " والقَانِتِينَ والقَانِتَاتِ " كذا في المحكم والصّحاح . قُلْتُ : وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وجابِرٍ وزَيْدٍ وعَطَاءِ وسعِيدِ بنِ جُبَيْر في تفسير قوله تعالى : " وقُومُوا لِلهِ قانِتِينَ " وقال الضَّحَّاكُ : كلُّ قُنُوتٍ في القُرْآنِ فَإِنّمَا يُعنَي به الطَّاعَةُ ورُوِىَ مثلُ ذلك عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه . وَقَنَتَ اللهَ يَقْنُتُهُ : أَطاعَه وقوله تعالى " كُلٌّ له قَانِتُون " أَي مُطِيعُونَ ومعنى الطَّاعَةِ هنا أَنَّ مَنْ في السَّموَاتِ " والأَرْض " مَخْلوقُون بإِرادَةِ اللهِ تعالى لا يَقْدِر أَحدٌ على تَغْيِيرِ الخِلْقَةِ " ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ " فآثارُ الخِلْقَةِ والصَّنْعَةِ تَدُلُّ على الطّاعَة وليس يُعْنَى بها طاعةُ العِبَادَةِ ؛ لأَنّ فيهما مُطِيعاً وغيرَ مُطِيعٍ وإِنما هي طاعةُ الإِرادَة والمَشيئَة . كذا في اللسان . القُنُوت : " السُّكُوتُ " قال زيدُ بن أَرْقَمَ : كنا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ - يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صاحِبَه وهو إِلى جَنْبِه - حتَّى نَزَلَتْ " وقُومُوا لِله قَانِتِينَ " فأُمِرْنا بالسُّكُوتِ ونُهِينَا عن الكلامِ فأَمْسَكْنَا عن الكلامِ . قَالَ الزَّجَّاجُ : المَشْهُور في اللغة أَنّ القُنُوتَ " الدُّعَاءُ " قلت : وهو المَرْوِيّ عن ابن عباس . قال الزَّجَّاج : وَحَقِيقَة القانِتِ أَنه القائم بأَمْرِ اللهِ فالدَّاعِي إِذا كانَ قائِماً خُصَّ بأَنْ يُقَال له : قَانِتٌ ؛ لأَنَّهُ ذاكِرٌ لِلهِ وهو قائِمٌ على رِجْلَيْهِ فحقيقةُ القُنُوتِ : العِبَادَةُ الدُّعَاءُ للهِ عزّ وجَلّ في حالِ القِيَام ويَجُوزُ أَن يَقَع في سائِرِ الطّاعَة ؛ لأَنّه إِن لم يَكُنْ قِيَامٌ بالرِّجْلَيْن فهو قيامٌ بالشيْءِ بالنِّيَّةِ . قال ابن سِيده : والقَانِتُ : القائِمُ بجَمِيعِ أَمرِ الله تعالى . وقيل : القَانِتُ : العَابِدُ " وكانَتْ مِنَ القانِتِين " أَي من العَابِدِينَ . وقال أَبو عُبَيْدٍ : أَصلُ القُنُوتِ فِي أَشياءَ فمنها : القِيَامُ وبهذا جاءَت الأَحَاديث " فِي " قُنُوتِ " الصَّلاةِ " ؛ لأَنَّه إِنما يَدْعُو قائِماً وأَبْيَنُ من ذلِك حديثُ جابِرٍ قال : " سُئلَ النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم : أَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ ؟ قال : طُولُ القُنُوتِ " يريد طُولَ القِيَامِ . وزَعَم ثعلَبٌ أَنَّ أَصلَ القُنُوتِ القيامُ نقله ابنُ سيده . والقُنُوتُ أَيضاً الصّلاة ويُقَالُ للمُصَلّى : قانِتٌ وفي الحديث " مَثَلُ المُجَاهِدِ في سبيلِ اللهِ كَمَثَلِ القَانِتِ الصَّائِمِ " أَي المُصَلِّي وقيل : القُنُوتُ القيامُ بالطَّاعَةِ التي ليس معها مَعْصيَةٌ . القُنُوتُ : " : الإِمْسَاكُ عن الكَلامِ " في الصَّلاةِ أَو مُطْلَقاً . " وأَقْنَتَ : دَعَا على عَدُوِّهِ " عن ابن الأَعْرَابِيّ ومنه دُعَاؤُه صلَّى الله عليه وسلَّم على رِعْل وذَكْوَانَ . أَقْنَتَ : " أَطالَ القيامَ في صَلاتِه " عن ابن الأَعرابيّ أيضاً وفي التنزيل " وَقُومُوا للهِ قَانتِينَ " كذا فَسَّرَهَا بَعْضُهُم . وقد تَكَرَّرَ ذِكْرُ القُنوتِ في الحَدِيث ويَرِدُ لِمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ : كالطَّاعَةِ والخُشُوعِ والصَّلاةِ والدُّعَاءِ والعِبَادَةِ والقيامِ وطُولِ القيامِ والسُّكُوتِ فيُصْرَفُ كلّ واحدٍ من هذه المعاني إلى ما يَحْتَمِلُه لفظ الحديث الوارد فيه . وقال ابنُ الأَنْبَارِيّ : القُنُوتُ على أَربعةِ أَقسام : الصَّلاَة وطول القِيَام وإِقامَة الطّاعَة والسُّكُوت . أَقْنَتَ إِذا " أَدَامَ الحَجَّ " عن ابن الأَعْرَابيّ أَيضاً . أَقْنَتَ : " أَطَالَ الغَزْوَ " عن ابن الأَعْرَابِيّ أَيضاً . أَقْنَتَ إِذَا " تَوَاضَعَ للهِ تَعَالى " عن ابنِ الأَعْرَابيّ أَيضاً . فَتحَصَّل لنا مما تَقَدَّمَ من كلام المُؤَلِّف في معنى القنوت مَعَانٍ تسْعَة وهي : الطَّاعَةُ والسُّكُوتُ والدُّعَاءُ والقيَامُ والإِمْسَاكُ عن الكلام وطُولُ القيَامُ وإِدامةُ الحَجِّ وإِطَالةُ الغَزْو والتَّوَاضُعُ . ومما زيد عليه : العِبَادَةُ والصَّلاةُ وقد تقدم شاهدُهُما . والإِقْرَارُ بالعُبوديَّة والخُشُوعُ هذا عن مجاهد . وقد يقال : إِنَّ السُّكوتَ والإِمساكَ عن الكلام واحدٌ وإِنّ الخُشوعَ داخلٌ في التواضع وإِدامةَ

الحَجِّ وإِطَالةَ الغَزْو داخلان في عُمُوم دَوَام الطَّاعَة ؛ فَإِنَّهُمَا من أَعْظَم الطَّاعَة . وقَالَ الرَّاغبُ : القُنُوتُ : لُزُومُ الطَّاعَةِ مع الخُضوع فَيُمْكن أَن يُجْعَلَ لزومُ الطَّاعَة أَيضاً من جُملة مَعَانيه فيقَال : الطَّاعَةُ ولزومُهَا كما قالوا : القيامُ وطُولُه . قال شيخُنا : وقد أَوسَعَ الكلامَ عَلَيْه القاضي أَبُو بَكْر بنِ العَرَبِيّ في العَارِضَةِ وغيرِه من مُصَنَّفَاتِه وقال : إِنَّ القَنوتَ له عَشرةُ مَعانٍ ونقلَه الإِمَامُ الحافظُ الزَّيْنُ العِرَاقِيُّ وزادَ عليه ونَظَم المَعَانِيَ كلَّها في ثلاثةِ أَبياتٍ ونَقَلَهَا الحَافِظُ شِهابُ الدينِ أَحمدُ بنُ حَجَر العَسْقَلانِيّ في أَواخِرِ بابِ الوِتْرِ من فَتْحِ البَارِي وهي : الحَجِّ وإِطَالةَ الغَزْو داخلان في عُمُوم دَوَام الطَّاعَة ؛ فَإِنَّهُمَا من أَعْظَم الطَّاعَة . وقَالَ الرَّاغبُ : القُنُوتُ : لُزُومُ الطَّاعَةِ مع الخُضوع فَيُمْكن أَن يُجْعَلَ لزومُ الطَّاعَة أَيضاً من جُملة مَعَانيه فيقَال : الطَّاعَةُ ولزومُهَا كما قالوا : القيامُ وطُولُه . قال شيخُنا : وقد أَوسَعَ الكلامَ عَلَيْه القاضي أَبُو بَكْر بنِ العَرَبِيّ في العَارِضَةِ وغيرِه من مُصَنَّفَاتِه وقال : إِنَّ القَنوتَ له عَشرةُ مَعانٍ ونقلَه الإِمَامُ الحافظُ الزَّيْنُ العِرَاقِيُّ وزادَ عليه ونَظَم المَعَانِيَ كلَّها في ثلاثةِ أَبياتٍ ونَقَلَهَا الحَافِظُ شِهابُ الدينِ أَحمدُ بنُ حَجَر العَسْقَلانِيّ في أَواخِرِ بابِ الوِتْرِ من فَتْحِ البَارِي وهي :
 ولفْظ القُنُوتِ أعْدُدْ مَعَانِيَهُ تَجِدْ ... مَزِيداً على عَشْرٍ معانِيَ مَرْضِيَّهْ
 دُعَاءٌ خُشُوعٌ والعبادَةُ طاعَةٌ ... إِقَامَتُهَا إِقرارُه بالعُبُودِيَّهْ
 سُكُوتٌ صلاةٌ والقِيَامُ وطُولُهُ ... كذاك دَوَامُ الطَّاعَةِ الرّابِحُ النِّيَّهْ قلت : وقد أَلْحَق شيخُنا المرحومُ بيتاً رابعاً جامعاً لما زادَه المجدُ
 دَوَامٌ لِحَجٍّ طُولُ غَزْوٍ تَوَاضُعٌ ... إِلى اللهِ خُذْهَا سِتَّةً وثَمانِيَهْ.
منقول من تاج العروس.

الاثنين، 6 أغسطس 2012

فوائد الصلاة ومنافعها وفضائلها


قاعدة عظيمة من قواعد التربية الربانية في القرآن الكريم: كلما اجتهد المسلم في صلاته واعتنى بها وحافظ عليها وحفظها قرب إلى الرسل وكلما تهاون في صلاته وكسل فيها وفرط كان إلى المنافقين أقرب ومن النبيين أبعد.

ومن شواهد هذه القاعدة :

1. قال الله تعالى عن عيسى عليه السلام: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) [مريم:31].
فعلامة البركة وعنوانها وبابها وعمودها هي الصلاة وهي وصية الله لصفوة عباده وخيارهم.

2. وقال تعالى عن اسماعيل عليه السلام :( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ) [مريم:55].

3. وقال تعالى عن الخليل إبراهيم صاحب ثاني أعظم مرتبة في الكرامة والشرف والفضل والفوز العظيم (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبارهيم: 37].
4. وقال سبحانه : (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ) [إبارهيم: 40].

 عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « حُبِّبَ إِلَىَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِى فِى الصَّلاَةِ ».سنن النسائي  عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَفْضَلُ الصَّلاَةِ طُولُ الْقُنُوتِ ».مسلم.
قال الله تعالى : وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ  التوبة:54
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا النساء:142

 الصلاة  نماء وزيادة وبركة ومفتاح لكل خير. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى الأعلى:15
المقصر في صلاته أبتر من الخير إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)  والكوثر هو النهر الذي أعطاه الله رسولنا ، وكلمة الكوثر تدل على الخير الكثير وهذا الخير يكتسب على قدر الاجتهاد في الصلاة.


 الصلاة وقاية من كل شر وسوء ومعصية وحفظ وحصن من الشيطان.
اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ قَالَ قَالَ رَجُلٌ - قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ - لَيْتَنِى صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاَةَ أَرِحْنَا بِهَا ».أبو داود.
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى.أبو داود.

الصلاة من أهم أبواب الرحمة
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  التوبة:71
ومن فضائل الصلاة ومنافعها أن من أهم وأكبر أسباب التمكين
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور/56] الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ
الحج:41
الصلاة تفسد بسبب شهوة الكسل والتهاون في إتمامها وكمالها والغفلة عن الخشوع فيها وتنهي  الصلاة والدين وتجعل الإنسان عبدا لشهواته وتقوده مثل البهيمة فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا مريم:59

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ  هود:114

إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ   المائدة:91


الجمعة، 3 أغسطس 2012

جريمة الزنا وخطر عواقبها ، جحيم الزنا ، الحذر من الزنا

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صَلَّى اللهُ عليه وعلى آله الطاهرين، وصحابته الطيبين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليما كثيرا مَزيدا.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أيها الناس: قد وقع في هذا الزمان ما أخبر به رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- من ظهور الزنا، حيث قال: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ" رواه البخاري.

والزنا فاحشة قبيحة، تفسد الدنيا والدين، وتقتل الحياء، وتكسر العفة، وتجر إلى كل قبيح، وتعقب كل خبيث. قال الله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) [الإسراء:32].

فنهى الله في هذه الآية عن أسباب الزنا بقوله: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى)، وبيَّن حقيقة الزنا بقوله الزاجر: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً )، وحذر من عواقبه المدمرة بقوله: (وَسَاء سَبِيلاً). فكيف يقبل عاقل لنفسه التدنس برجس هذه الفاحشة القذرة، بعد هذه البيان الرباني المحذر المنذر؟!.

ففاحشة الزنا تُغضب الله، وتسبب عذابه؛ فعَنْ عَائِشَةَ -في حديث طويل- قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَر مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِىَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ! يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً! أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟" متفق عليه.

وعن سَمُرَةَ بْنُ جُنْدَبٍ -رضي الله عنه- قَالَ في حديثٍ طويلٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّهُ أتاني اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِى، وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِي انْطَلِقْ. وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ، فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌـٌ وَأَصْوَاتٌ -قَالَ- فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا -قَالَ- قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلاَءِ؟ قالا: إِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي" رواه البخاري.

ومن أدلة قبح هذه الفاحشة النكراء أنها قُرنت بجريمتي الردة والقتل، فعَنْ عبدِ الله بن مَسعودٍ -رضي الله عنه- قالَ: قالَ رَسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلاَّ بِإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتَّارِكُ لِدينِهِ المُفارِقُ لِلجماعَةِ" رواهُ جميعُ الأئمةُ.

فالأمر خطير -يا عباد الله- فقد ورد في حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ" رواه جميع الأئمة.

وجريمة الزنا من الرجل الكبير أقبح وأشنع منها من الصغير، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ" رواه أحمد ومسلم.

وعن أَبِى ذَرٍّ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "ثَلاَثَةٌ يَبْغَضُهُمُ اللَّهُ: الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِىُّ الظَّلُومُ" رواه أحمد والنسائي والترمذي.

والزنا بالجارة أعظم عدوانا، وأشدُّ جرما، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود -رضي الله عنه- قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ" رواه البخاري ومسلم.

وعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لأَصْحَابِهِ: "مَا تَقُولُونَ فِى الزِّنَا؟" قَالُوا: حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لأَصْحَابِهِ: "لِأَنْ يَزْنِىَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِىَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ". قَالَ: فَقَالَ: "مَا تَقُولُونَ فِى السَّرِقَةِ؟". قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهِىَ حَرَامٌ. قَالَ: "لأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ" رواه أحمد. والزنا بالمحارم أقبح من ذلك.

أيها المؤمنون: قد سمعتم بعضا مما ورد من الأدلة لبيان قبح فاحشة الزنا، وخطر عواقبها، فما هي دواعي الزنا، والأسباب الموقعة فيه؟.

من دواعي الزنا وأسباب الوقوع فيه:
1/ التبرج والسفور، والتهاون في الحجاب الشرعي: قال الله تعالى: (وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) [الأحزاب:33]، فنهاهُنَّ اللهُ عن تبرجِ الجاهلية، وهو إظهار الزينة والمحاسن، كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراع والساق، ونحو ذلك من الزينة؛ لما في ذلك من الفساد العظيم، والفتنة الكبيرة، وتحريك قلوبِ الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا. ويدخل في التبرج مشية التبختر والتكسر، والتغنج، التي تفعلها بعض النساء قليلات الحياء.

2/ من دواعي الفاحشة الخضوع بالقول، فإنه يفتح أبواب الفتنة: قال الله تعالى: ( يَانِسَاءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) [32].

وهذا نهيٌ لنساء النبي الطاهرات عن القول الليِّن والمرخَّم والرخيص؛ حتى لا يطمع الذي في قلبه شهوة الزنا. فأين من تخاطِب مرضى الشهوات عبر الهاتف أو غيره من هذه الآية؟! وأين الغزليون من هذا النهي الرباني؟ لماذا يزيدون مرضهم مرضا، ويتداوون بالتي هي الداء؟!.

4/ من أسباب الزنا الخلوة بالأجانب، وسفر المرأة بدون محرم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِى مَحْرَمٍ". فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِى غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: "ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ" أخرجه البخاري ومسلم.
قال ابن حجر: فيه منع الخلوة بالأجنبية، وهو إجماع. فتح الباري (4/92).

وعَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا" رواه أحمد.

4/ ومن أسباب الزنا النظر إلى النساء أو إلى صورهن: قال تعالي: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) [النور:30-31]. وقدم غض البصر على حفظ الفرج لأن النظر بريد الزنا، ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر.

5/ ومن دواعي الزنا مخالطة الرجال للنساء في الأسواق والعمل والتعليم والحفلات والمناسبات وغيرها، فقد منعَ الرسولُ مخالطةَ النساءِ للرجالِ في المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله، وفي الصلاة التي هي عمود الإسلام، فغيرها بالمنع أولى.

ومن ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا" أخرجه مسلم.

وقد جاء النهي عن الاختلاط عام في قول الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) [الأحزاب:53]. وهذا قيل للصحابة وأمهات المؤمنين. فمَن يزعُم أنه اطهرُ منهم؟!.

وجاء التحذير من الدخول على النساء لغير المحارم: فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ!" فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟. قَالَ: "الْحَمْوُ الْمَوْتُ" أخرجه البخاري ومسلم. والمراد بالحمو أقارب الزوج من غير المحارم، كالأخ والعم والخال وأبنائهم.

وقوله: "الحمو الموت" أي: لقاؤه الهلاك؛ لأن دخوله أخطر من دخول الأجنبي، وأقرب إلى وقوع الجريمة؛ لأن الناس يتساهلون بخلطة الرجل بزوجة أخيه والخلوة بها فيدخل بدون نَكير، فيكون الشر منه أكثر، والفتنة به أمكن.

6/ ومن دواعي الزنا ما يحصل من النساء لإثارة الرجال: فقد جاءَ النهيُ الزاجرُ عن كلِ ما يثيرُ الرجالَ، حيثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِىَ زَانِيَةٌ" رواه النسائي وأحمد.

7/ ومن أسباب الزنا زنا الجوارح: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-: "زِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ". فالعين لا تنظر بها إلى الحرام، والأذن لا تسمع بها الأغاني والحرام، واللسان لا تتكلم به في الحرام؛ فإن هذا من زنا الجوارح.

ومن أكثر الأسباب المشجعة على الزنا المعاكسات، وإثارة العواطف، والتلاعب بالمشاعر. فاهجروا الأغاني وآلات الملاهي؛ فإنها رائدة الفجور، وشَرَك الشيطان، ورُقية الزنا.

8/ ومن أقوى دواعي الزنا وأهم أسبابه مشاهدة القنوات الفاسدة المفسدة التي تبث ما يربي الناس على ثقافة الزنا، وتنشر ما يثير الغرائز ويحرك النفوس لفعل الفاحشة، وتقدم مادة الزنا للمشاهِد بكل احتراف ماكر، وجذب خائن خادع .

فهي تعرض الصورة الفاتنة الداعرة التي يمثلها جيش من العاريات الكاسيات، وتبث الأغاني التي هي بريد الزنا ورقيته، وتكثر فيها المقاطع التي تدعو للفاحشة بصراحة ووضوح.

وما مثَل مَن يستقبل رسالة هذه القنوات الفاجرة التي هي المدارس المخصصة في إشاعة الفاحشة في بيته إلا كما قال الشاعر:
ألقاهُ في اليَمِّ مكتُوفاً وقَالَ لَهُ *** إياكَ إياكَ أنْ تبتلَّ بالماءِ!

9/ ومن أخطر دواعي الزنا وأضرها هذه الأجهزة التي تسمى ذكية ولكن البعض يستخدمها استخدامات غير زكية!! وقد كثر استخدامها بين الصغار أكثر من الكبار ولها من التأثير السيء والضرر الكبير والخطر المستطير ما لا يخفى على عاقل عالم بهذه الأجهزة وقد جمعت هذه الأجهزة مخاطر الأنترنت والجوال والقنوات الفضائية فهو جهاز واحد فيه هذه الثلاث!! وسيكون له خلال الأيام القادمة ثورة أخطر وسونامي أضر وأشر!!
وليس أمامنا لحماية أبناءنا ووقايتهم من شره أو تخفيف ضرره إلا التحصين بالإيمان والعلم ، والوقاية بالتقوى، والتحذير من خطره والتوجيه للانشغال باستخداماته المفيدة التي قد تمنع أو تخفف سيئاتهز
وعلينا جميعا التفكير الجاد لإيجاد الوسائل والحلول لهذه الطامة والسعي لاستبدال شره بخير ومضاره بمنافع وسيئاته بحسنات.


أيها الناس: يجب الحذَر من أسباب الزنا والبعد عن دواعيه؛ فإن المحافظة على السلامة من الكسر أولى وأوجب عند جميع العقلاء من تجبير الكسور. كما يجب في الوقت نفسه المحافظة على التقوى والعفة والشرف، وتذكُّر ما أعده الله لأهل التقوى والعفاف. فقد مدح الله المؤمنين بقوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) [المؤمنون:1]، وعَدَّدَ من صفاتهم: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) [5-7].

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ"، وذكر منهم: "شَابٌّ نَشَأَ فِى عِبَادَةِ اللَّهِ... وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ" رواه البخاري.

وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ يَضْمَنْ لِى مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ" رواه البخاري.

وما أعده الله لأهل كرامته، أهل التقوى والعفاف، من النعيم المقيم في جنات النعيم، وما فيها من الحور العين الطاهرات الحسان في تلك الجنان، فكيف يليق بالعاقل أن يبيع هذه الدرر الباقية بالبعر الفاني؟!.

(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الفرقان:68-70].


الخطبة الثانية:

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا أَنْ يُحْمَدَ وَيَنْبَغِي لَهُ، وأصلي وأسلم على نبي الرحمة والملحمة.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، فاتقوا الله وخافوه وأطيعوه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119].

أيها الناس: إن للزنا عواقبَ مُشينةً، ومضارَّاً قبيحة في الدنيا والآخرة، منها:

(1) الزّنا يجمعُ خلالَ الشّرّ كلّها، من قلّة الدّين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلّة الغيرة.

(2) في الزّنا غضب الرّبّ تبارك وتعالى بانتهاك حُرَمِه، وإفسادِ خَلقه.

(3) من أضرار الزّنا خبث النّفس، وإذهاب الحياء، ورفع الحشمة.

(4) سواد وجه الزّاني، وظلمته، وما يعلوه من الكآبة والمقت الّذي يبدو عليه للنّاظرين.

(5) ظلمة القلب وطمس نوره.

(6) الفقرُ اللّازمُ؛ لأنّ اللّه- عزّ وجلّ- مُفْقِرُ الزُّناة.

(7) الزّنا يُذهِب حرمة فاعله، ويعرّضه للحدّ في الدّنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.

(8) الزّنا يسلب الزّاني أحسن الأسماء، وهي العفّة والبرّ والأمانة، ويعطيه أضدادها، كالفاجر والفاسق والزّاني والخائن.

(9) يفارق الزّاني وصف (الطّيّب) الّذي يتّسم به أهل العفاف، ويتبدّل به بـ (الخبيث) الّذي يتّصف به الزّناة، وقد حرّم اللّه الجنّة على كلّ خبيث، وجعلها مأوَى للطّيّبين.

(10) من أضرار الزّنا على المجتمع اختلاط الأنساب واشتباهها، ويؤدّي إلى ضيق في الأرزاق، وخراب في الدّيار، وإيقاع الوحشة بين أبناء المجتمع، ويشعل نار العداوات، ويقوي الفرقة والتقاطع والأحقاد.

(11) يسبّب الزّنا ظهور أمراض وبلايا لا يعلمها إلّا اللّه -عزّ وجلّ-، ومنها مرض فقد المناعة (الإيدز)، ومرض السيلان، والزهري، وغيرها من الأمراض الّتي شاعت في المجتمعات الفاجرة هذه الأيّام.

فيا عباد الله توبوا إلى الله واتقوه، (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور:31]، واعلموا: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة:222]، و (مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) [الفرقان:70]، و( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه:82]، و"التائبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنبَ لَهُ".

( وَالذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [آل عمران:135-136].

ونختم بقول الله تعالى: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [إبراهيم:52]، وقوله: (بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) [الأحقاف:35].

مكر المجرمين، خطورة المكر وشناعة عواقبه

الْحَمْدُ للِّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِ الله ورسوله فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا، وَلاَ يَضُرُّ إِلاَّ نَفْسَهُ.

صلى الله على عبده ورسوله وسلَّمَ تسليماً كثيراً، وعلى صحابته وآله والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِى النَّار.

أيها الناس: اعلموا أن أعداءكم يمكرون بكم وبدينكم ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) [إبراهيم:46].

عباد الله: مكر المجرمين معناه كل شيء يقصد به ضر المسلم في هيئة أو صورة تخفى عليه، أو تلبيس فعل الإضرار بصورة النفع، أو إخفاء الأضرار، أو إبرازها في صورة المسالمة، أو إظهار الطيب وإبطان الخبث.

أيها المؤمنون: المكر السيئ صفة أعداء الله في كل مكان وزمان، وطريقتهم الثابتة في التعامل مع الإسلام وأهله؛ وقد بين الله لنا في كتابه العظيم المبين، أن أعداءه قد قابلوا رسله بالمكر، واتخذوا المكر وسيلة لمحاربة الحق الذي نزلت به كتب الله، وأرسلت به رسله.

وهذه بعض الأمثلة التي تبين مكر المجرمين السابقين بالحق ورسله:

أولا: ذكر الله بعض مكر قوم نوح، بقوله تعالى: ( وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ) [نوح:22-23].

ثانيا: وهذا بعض مكر قوم صالح، فقد قص الله علينا محاولة اغتيال رسول الله صالحا من قِبل تسعة من أكابر ثمود الآثمة وذلك في قوله تعالى: ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [النمل: 48-52].

ثالثا: بيَّن الله لنا بعض مكر اليهود بعيسى -عليه السلام- بقوله: (وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) [ آل عمران:54].

رابعا: قد تعرض رسولنا لأنواع المكر بجميع أشكاله وكل صوره، فكان في مكة يتعرض لمكر الكفار ليلا ونهارا، كما صور الله لنا بشاعة المكر برسولنا في قوله (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الانفال:30]، أي: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيسجنوك أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يطردوك. وقد ربط الله على قلب رسوله، وسلاه في مصيبته، وتكفل بحفظه، ووعده بنصره، وذلك كله في قوله تعالى: (وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).

ثم انتقل إلى المدينة فاشتد عليه المكرُ، وأصابه من مكر أعداء الله مكرٌ لو أصاب الجبالَ لزالت؛ فمكرٌ من داخل الصف الإسلامي يتزعمه أهل النفاق أهل الغدر والخيانة والشقاق، ومكرٌ من الجيران اليهود نقَضَة العهود وخونة الوعود، وليس غريبا ذلك على إخوة الخنازير والقرود؛ ومكر خارجي تتزعمه الوثنية في مكة.

فقد آذاه المكر الذي اجتمع عليه من المنافقين واليهود والوثنيين في دينه وصحابته، وسُمَّ في صحته، وجُرح في جسده، وجرحه المنافقون في عرضه جرحا لا يزال إلى هذه الساعة؛ ومع ذلك كله كان الرسول ثابتا مجاهدا في سبيل الله بالسنان والبيان، محتسبا صابرا كما أمره الله بقوله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) [النحل:127].

أيها الناس: إن أعداء الله يجتهدون في ضر المسلمين بكل ما يستطيعون؛ ولا يستطيعون -في الغالب- إيصال الضرر للمسلمين إلا بالمكر، كما مكر أسلافهم برسل الله.

ومن أمثلة مكر الكافرين بالمسلمين:

أولا: صد المسلمين عن دينهم، الدين الذي هو مصدر قوة المسلمين، وسبب عزتهم، وأساس غلبتهم لأعداء الله، وسر تميزهم الذي أهلهم للسيادة والقيادة.

ثانيا: تفريق المسلمين ونشر الخلافات بينهم وإضعاف قوة الصف، وتفريق الكلمة، وإيجاد الفجوة بين الحكام والشعوب، أوإفساد الحكام ثم استغلال ذلك كله لضرب المسلمين بعضهم ببعض، وإهلاك أنفسهم بأيديهم، والعدو هو وحده المستفيد الأول والأخير.

ثالثا: زرع بذرة الشر والفتنة والبدع في أرض المسلمين من خلال إنشاء البدع والمذاهب المنحرفة، والأفكار الهدامة، وأهل الأهواء؛ لاستخدامهم ضد المسلمين جنودا معتدية آثمة، وأقلاما مسمومة، وجواسيس غادرة، ودعاة فجرة.

فها هي تلك الخناجر المسمومة التي كان لسانها يعلن عداوته للشيطان الأصغر قبل الأكبر كل جمعة، وعبر كل إذاعة، ثم يطعن بها أعداءُ الشيطانِ أهلَ الإسلام كل ساعة، ويعتذر للشيطان الأصغر من كلام الباعة، الذي صدر للنشر والإشاعة، ودعما لترويج البضاعة، وتلبيسا على سُذَّجِ أهل السنة والجماعة!.

رابعا: ومن مكر المفسدين إشغال المسلمين عما ينفعهم بأمور أقل ما يقال فيها أنها تضر ولا تنفع، مثل متابعة ومشاهدة القنوات الفاسدة، ومتابعة أخبار المغنين، وأهل الفن واللاعبين.

خامسا: نشر الفساد بين المسلمين ودعوتهم للوقوع فيه وإيجاد قدوات فاسدة للشباب والفتيات ونشر أسباب الفساد والفواحش بين الشباب قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) [فاطر:10]. وقال تعالى: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) [سبأ:34].

فقد مكروا مكراً شديداً بالليلِ والنهار، بأساليب ووسائل خبيثة ماكرة تزينُ الفاحشة، وتصد عن الآخرةِ، ففشت الفواحشُ والمظالم، ونِيلَ من الأعراض، وأُكلت الأموال بغير حق، وظهرت صورُ صارخةِ من الحسد والبغضاء، والفرقةِ والخلاف، وعندها استُضعِفَ المسلمون، وتبجحَ وتسلطَ الملحدون والمجرمون.

سادسا: بث روح الانهزام في المسلمين، وإقناعهم بكل وسيلة بعجزهم وفشلهم، وإيقاظ الفتن وإشعال الحروب من قبل عملائهم؛ لإشغال المسلمين في أنفسهم، واستنزاف ثرواتهم وطاقاتهم، وضياع قدراتهم وجهودهم.

عباد الله: إن أعداء الله يمكرون مكراً عظيماً لا يمكن أن نتخيله ولا ندرك منه إلا القليل، قال الله تعالى في وصف مكر أعداء الدين لأهل الإسلام: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) [إبراهيم:46].أي: مكراً عظيماً تزلزل منه الجبال وتزول من أماكنها؛ لكن الله -جل وعلا- لهم بالمرصاد، وهو -جلّ وعلا- من ورائهم محيط.

(بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الرعد:33]، فقد زُيِّنَ لهم مكرهم القبيح الذي تفوح منه روائح الإجرام، والغطرسة والعتو، والانحلال والفساد؛ فالبغاة الطغاة الذين اعتزوا بقوتهم، واغتروا بما لديهم من كثرة عدد وعدة ووسائل، أعلنوا غطرستهم، وأظهروا هيمنتهم على المسلمين.

ولهم مكر خفي، وكيد عالمي، يمكرون به ويكيدون للإسلام وأهله، وكثيراً ما يروج هذا الكيد، ويمر هذا المكر بغفلة وسذاجة من كثير من أهل الإسلام، بل ربما تروج الحِيَل حتى يتبناها من بني جلدتنا والناطقين بألسنتنا مَن يروِّجون لها، ومن يرون فيها حقاً وصواباً، بل من يندفعون إليها متحمسين غير مدركين لتلك الألاعيب والحيل التي تسيّرها وتروّجها آلة إعلامية ضخمة، تغير الحقائق، وتجعل البريء الذي ليس متهماً مدانا مجرماً، وتجعل الباطل وتصوره على أنه هو الحق الناصع، والعدل التام!.

وهذا المكر والكيد يحيط بنا من سائر الجوانب، وفي كل مجتمعات المسلمين، وفي سائر ديارهم، وفي جميع مجالات حياتهم، إنه مكر عظيم كبير، إنه كيد خطير، فهل يُرعبنا ذلك -معاشر المؤمنين-؟ وهل يفتّ في عضدنا -معاشرَ المسلمين-؟ وهل يجعلنا في حيرة من أمرنا، وفي شك من ديننا؟ وهل يدفعنا إلى أن نلتمس الخلاص منه في شرق أو غرب، أو استعانة بهذا أو ذاك؟ أو لين وذلّ لا يتفق مع الإسلام؛ لأجل مداراة أو مداهنة؟. (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [آل عمران:146].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ) [النحل: 26]. أقول ما قلت وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.





الخطبة الثانية:




الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى؛ والصلاة والسلام على خير رسل الله، وعلى آله وصحابته.

أما بعد: لا يخفى على أحد تعرض ديننا وبلادنا لأنواع المكر، صغيرها وكبيرها، قريبها وبعيدها.

إن الواجب علينا في مجابهة مكر الماكرين بنا أمور، من أهمها:

أولا: معرفة طريقة الرسل في التعامل مع مكر المفسدين المعتدين، وخاصة سنة رسولنا وسيرته في التعامل مع مكر المنافقين واليهود والمشركين وغيرهم.

ثانيا: إعداد العدة وبذل الجهد والطاقة في إيجاد القوة، ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) [الأنفال:60]، وهذا يشمل قوة العلم والإيمان والعمل الصالح، والقوة العسكرية، وتعلم وإتقان ما لدينا من أسلحة ومعدات، وقوة العقل والتفكير، وقوة البدن صحيا ورياضيا؛ لأن ذلك من مقومات المعركة الناجحة ضد العدو.

ثالثا: الحذر من المعاصي جنود إبليس قبل الحذر من جنود العدو، وتحرير قلوبنا من استحلال الشيطان؛ حتى نستطيع حماية ديننا وبلادنا من الأعداء، فالذي لا يستطيع أن يحمي قلبه الذي لا يتجاوز بضع (سنتيات) كيف يستطيع حماية حدود بلاد تتجاوز مئات الكيلوات؟.

إن الألفة بيننا وبين المعاصي، وتطبيع العلاقات مع الشيطان وعمله؛ يسبب لنا استمرارا وتعودا على معاصي الله، فإذا حصل ذلك وقعت الكارثة، وحل الخسران، كما قال تعالى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف:99]، فالأمن من مكر الله كبيرة من كبائر الذنوب.

فالذي يداوم على المعاصي، ويستمر عليها، ويصر على فعلها ولم يتب، فهو خاسر من الخاسرين؛ لأنه قد أمن من مكر الله الذي عصاه بنعمه.

فلا سلامةَ، ولا نصر، ولا نجاة إلا بالخوف من الله... وعلامة الخوف من الله فعل الطاعات، والتوبة من المعاصي، واجتنابها؛ فالمعاصي هي سبب كل بلاء ومصيبة وشر في الدنيا والدين، كما قال تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى:30]، وقال تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 165]، وقال تعالى: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء:79].

رابعا: حفظ نعم الله بالطاعة، فقد انعم الله علينا بنعم يجب استخدامها في طاعته، والبعد عن معاصيه؛ لقد أنعم الله علينا بنعم لم يُنعم بها جميعا على أحد من العالمين من حولنا، فهدانا لدينه، وانزل فينا كتابه، بِلُغتنا، وبعث فينا رسوله، وقد جمعنا الله بعد فرقة، وأمَّنَنَا بعد خوف، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة. فمالنا عن طاعته معرضون أو متهاونون؟ ولمعصيته فاعلون؟ منا المقلون، وأكثرنا المكثرون؟!.

فيجب علينا حفظ نعم الله بطاعته، والحذر من معصيته، (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) [يونس:21]، وقوله: (إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا) أي: يسعون بالباطل ليبطلوا به الحق. (قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا)، فمكر الله بمن عصاه سريع، وعقابه شديد وإن أمهل إلى حين.
فإذا شكرنا الله على نعمه قرَّتْ واستمرت وسرَّت، وإذا قابلنا نعم الله بمعاصيه فرت ولا نفعت بل ضرت، فاشكروا الله على نعمه، واستعينوا بها على ما ينفعكم، قال تعالى:(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم:7]. فما بالُنا؟ قليلٌ منا الشاكرون! والشاكرون مقتصدون! بل أكثرنا في شكر الله زاهدون.

خامسا: إن مما يثبتنا ويقوي عزائمنا معرفة سنة الله في المكر والماكرين، وقد غاب عن هؤلاء المجرمين المستكبرين الماكرين بالمسلمين أن من سنن الله الثابتة التي لا تتبدل ولا تتحول مَكْرَه بمن مكر بدينه أو شيء من أحكام الدين وسنة الرسول، أو أوليائه الصالحين، فما هي سنة الله تعالى في الماكرين الأولين والتي ستُخزي وتهلك الموجودين واللاحقين من الماكرين المفسدين؟ إنها سنة تتصف بالصفات التالية:

الأول: سرعة مجيئها، وأنها تأتي بسرعة مفاجئة فإذا هم مبلسون، قال تعالى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) [يونس:21].

الثاني: شدة عذابها وتدميرها، قال تعالى: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ) [الأنعام:124]، وقال تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [النمل: 50-52].

الثالث: تأتيهم من حيث لا يحتسبون، بل تأتيهم من حيث يأمنون، كما قال تعالى: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ) [النحل: 26]، أي: إن الله اجتث مكرهم من أصله، واقتلعه من أساسه؛ فأبطل عملهم، وأسقط بنيان خططهم الخبيثة، وكيدهم الخاسر! قال تعالى: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [ الحشر:2].

رابعا: أن مكر المفسدين خاسر، كما بين الله ذلك في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) [فاطر:10]. فهم خاسرون، مهما يمكرون ويفعلون.

خامسا: إن الماكر يمكر بنفسه، وعاقبة مكره عليه، قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [فاطر:42-43]، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [الأنعام:123].

سادسا: من صفات سنة الله في المكر والماكرين أنها لا تتغير ولا تتحول، فهي سنة ربانية ثابتة في كل ماكر في كل زمان ومكان، كما في الآية السابقة.

وفي الختام: يجب على المسلمين أن يعلموا أن سنة الله في الماكرين لا بد لها من أسباب ومن أهم هذه الأسباب أن يعملوا المسلمون الأعمال التي تمنع وقوع مكر المجرمين أو تبطل وتزيل مكر المفسدين أو تخفف ضرر مكر الماكرين.
وكذلك سنن الله في نصر المؤمنين والتمكين لهم والدفاع عنهم وحفظهم وتأييدهم وإظهارهم على عدوهم لا تحصل للمؤمنين إلا بالأعمال المحقق والجالبة لوجود هذه السنن بفضل الله ورحمته وإحسانه، ولن تحصل هذه السنن للبطالين أو المقصرين في الأعمال الصالحة المناسبة لهذه السنن الربانية كما بينها الله لنا في كتابه وربط السنن بأسبابها .

غزوة بدر الكبرى ومعركة بدر الفرقان

غزوة بدر الكبرى ومعركة بدر الفرقان والإيمان والبطولة والعزة والنصر والفلاح والصبر.
بطاقة موجزة عن معركة بدر.
سبب المعركة: خروج  المسلمين من المدينة للظفر بقافلة تجارية عائدة من الشام إلى مكة محملة بالضائع والمؤن عبر الطريق الرابط بين مكة والشام والذي أحد نقاطه الرئيسية ماء بدر.
خروج الفريقين ووجهة كل فريق وهدفه:
 المسلمون كان خروجهم اختياري وغير ملزم والهدف هو القافلة كما سبق والوجهة جنوب غرب المدينة إلى بدر بمسافة تقدر 160كلم.
المشركون كان خروجهم إجباري ولم يعذر أحد في التخلف إلا من يخرج رجلا بدلا منه فخرج القادة والسادة والعامة والهدف حماية العير من المسلمين - في بداية الأمر -  والوجهة شمال مكة بمسافة 300كلم.
عدد المسلمين : 313 رجلا.
وعدد المشركين : ألف رجل.
عدة المسلمين وعتادهم : فرسان وسبعين بعير ولم يكن هناك عدة تذكر لأن الهدف كما سبق ليس الحرب وإنما العير.
عدة المشركين وعتادهم : 100 فرس بدروعها غير الدروع التي مع المشاة و700 بعير.
الزمان والمكان: يوم الجمعة 17 رمضان السنة الثانية من الهجرة ، والمكان بدر وهو اسم ماء سمي باسم رجل كان في ذلك الوادي.

----
تطورات جديدة غيرت الأهداف :
علم أبو سفيان بخروج المسلمين وترصدهم لقافلته على الطريق فغير اتجاه سير القافلة جهة الغرب وابتعد عن منطقة الخطر مما كان سبب في نجاة العير.
ارسال أبو سفيان النذير إلى مكة ليستنفرهم للخروج وادراك القافلة وحمايتها وكان هذا هو السبب الرئيس في خروج جيش مكة.
ثم لما شعر أبو سفيان بالأمن وعلم أن القافلة قد نجت وخرجت من منطقة الخطر ارسل لجيش المشركين يخبرهم أن قافلتهم قد نجت ولا داعي لخروجهم ولكن أبت وأصرت طغمة الطغيان والبغي بزعامة أبي جهل إلا الخروج كبرا ورياء (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).



يتبع


فوائد تحتاج ترتيب:
المستشرقون الكذبة يشنعون على الرسول وأصحابه بسبب قتله لاثنين من الأسرى السبعين بسبب أنهما من مجرمي الحرب والمحاربين لله ورسوله ، وهذا الأسيران هما : النضر بن الحارث ، وعقبة بن معيط ، وكانا من أشر الناس وأكثرهم كفرا وعنادا وبغيا وحسدا وإيذاء للرسول وللمسلمين.
ولكن المستشرقين الكذبة تجاهلوا هذا التاريخ الأسود المليء بعظائم الجرائم واعرضوا عنه وحصروا الموضوع واختصروه في قتل الرسول لهما وشنعوا على الإسلام بأنه دين متعطش للدماء!!   أهذه الموضوعية والحياد والانصاف التي ملئتم الدنيا ظراط وفساء بها ؟!!
وتأمل كيف شنعوا على المسلمين بسبب قتلهم بعض مجرمي الحرب وما يفعله الغرب واليهود من قتل ملايين الأبرياء في شرق الأرض وغربها!!
فهل من يقتل كبار المجرمين المفسدين متعطشا للدماء ومن يقتل ملايين الأبرياء بطريقته الحضارية بريئا من التعطش للدماء بل بريئا حتى من قطرة الدم!!
وتأمل كيف عاتب الله رسوله وأصحابه على أخذ الفدية وترك قتل الأسرى (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [الأنفال:677-68].
فهل أنتم أيها المستشرقون الخونة أرحم بالناس من الله ؟!! وهل أنتم أعدل حكما منه  وأعلم بأحوال الناس وأعمالهم وفسادهم وصلاحهم ومن يستحق القتل أو الحياة من رب العالمين وأحكم منه في معرفة دقائق الأمور وبواطنها وخفاياها وما يناسبها ويصلح لها؟!!


غزوة بدر دروس وعبر

1 - ذوبان عصبية الجاهلية وذهاب الحمية القبلية أمام شموخ الإيمان ورسوخه في القلوب المؤمنة وتقديم محبة الله ورسوله على محبة كل شيء.
ومن أمثلة ذلك :
قتل الصحابة لأقاربهم المشركين حين انضموا مع الجيش المحارب لله ولرسوله ولدينه !
فقتل حمزة وعلي أبناء عمومتهم وقتل عمر الفاروق خاله العاص بن هشام وقتل أبو عبيدة أباه وطلب الصديق مبارزة ابنه عبد الرحمن.
قال تعالى : (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ   أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ   وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا   رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ   أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ   أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة:22]
2 – من الدروس الكبرى : أن المسلم يبذل ما فيه وسعه في اكتساب القوة المادية وتطويرها والتدرب عليها واستخدامها بكل وسيلة ممكنة ،ويعمل كلما بقدرته من غير تهاون أو تقصير أو تأجيل ، ويوفر ما يمكن من أي وسيلة للقوة متاحة.
ويكون قبل ذلك وبعده وأثناءه  متوكلا على الله مستعينا به وملتجئا إليه ومتبرئا من حوله وقوته وأعوانه.
لأن الواجب علينا بذل الأسباب كما فعل الرسول مع جيشه في مشاورتهم وتهيئتهم  ، وجمع المعلومات عن العدو ، واختار الموقع المناسب للمعركة ، والأخذ بالخطط الحربية كما أخذ بخطة الحُباب بن المنذر وغيره ، وبعد ما فعل هذه الأسباب وغيرها يتضرع إلى الله بالإلحاح في الدعاء في كل أحواله وأوقاته ولم يدع وهو لم يفعل ما ينبغي ويجب ويناسب كما هو حال كثير من متدينة العصر وفقههم الخامل الذي لم يزد الأمة إلا وهنا وهوانا حينما يطنطنون في كل مناسبة بالتذكير بالدعاء مع السكون والركود والرقاد والتهاون في الأخذ بالأسباب.
حين بذل المسلمون ما بوسعهم وما قدروا عليه من الأسباب المادية وقد حققوا قبل ذلك الأسباب المعنوية الإيمانية وضربوا المثل الأعلى في الإيمان والطاعة لله ورسوله وحققوا كمال الإيمان وبلغوا تمام الإتباع للرسول ، فبعد ذلك استحقوا نصر الله وتأييده لهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد:7].
وقال الله في الآيات التي نزلت في بدر الفرقان (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال:].
وقال تعالى: (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ   وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

الولاية الربانية الخاصة لأهل بدر
1 – إنزال المطر وفيه أربع منافع وأسباب مقوية لعزائم المقاتلين ، يطهركم ، ويذهب عنهم رجز الشيطان ، ويربط على قلوبهم ، ويثبت به الأقدام .
2-  تثبيت الملائكة لهم.
3 – تقليل المشركين في أعيون المؤمنين.
4 - امدادهم بالملائكة
5 -