‏إظهار الرسائل ذات التسميات خطب الجمعة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خطب الجمعة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

فضل طاعة الرسول وكرامة أتباعه

طاعة الرسول لها فضل كبير وبركات عامة في الدارين واتباع الرسول هو سبيل تحقيق جميع المصالح ومنع جميع المفاسد والسلامة من كل المضار والنجاة من كل المهالك.
 

1 - الرحمة لمن أطاع الرسول.
من فضائل إتباع الرسول وبركة طاعته حصول الرحمة لمن اتبعه واهتدى بهديه قال تعالى:(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [آل عمران:132].
وقال سبحانه : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور:56].( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) ( لَعَلَّكُمْ ) حين تقومون بذلك ( تُرْحَمُونَ ) فمن أراد الرحمة، فهذا طريقها، ومن رجاها من دون إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول، فهو متمن كاذب، وقد منته نفسه الأماني الكاذبة. فطاعة الله وطاعة رسوله، من أسباب حصول الرحمة كما قال تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة } الآيات.
2 - الهداية لمن اتبع الرسول والاهتداء التام الشامل لمن اطاعه

ونعمة الهداية للحق أعظم النعم لأنها تجعل النعم نعما وبعدمها تصبح النعم نقما ، ولا نعيم في الآخرة إلا من جاء نعمة الهداية على طريق الهداية الصراط المستقيم.
قال تعالى : (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [النور:54].
{ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } إلى الصراط المستقيم، قولا وعملا، فلا سبيل لكم إلى الهداية إلا بطاعته، وبدون ذلك، لا يمكن، بل هو محال.
لأن طاعة الرسول شرط في حصول الهداية، وعلق الله الهداية على شرط طاعة الرسول فلا وجود للهداية إلا بوجود شرطها، ومن كان عنده خلل ونقص في طاعة الرسول كان الخلل والنقص في هدايته على قدر ذلك الخلل والنقص.
وقال سبحانه :(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)[الأعراف:158].
(وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) في مصالحكم الدينية والدنيوية، فإنكم إذا لم تتبعوه ضللتم ضلالا بعيدا.
وقال عز جلاله : (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)[الشورى:58].
(وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) أي: تبينه لهم وتوضحه، وتنيره وترغبهم فيه، وتنهاهم عن ضده، وترهبهم منه.

3 - من فضائل طاعة الرسول مرفقة الذين أنعم الله عليهم

قال الله سبحانه : (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا * ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا)[النساء:69-70].
من عمل بما أمره الله به ورسوله وترك ما نهاه الله عنه ورسوله فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته ويجعله مرافقا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة وهم الصديقون ثم الشهداء ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم ثم أثنى عليهم تعالى فقال (وحسن أولئك رفيقا).
4 - طاعة الرسول أمان من العذاب

قال تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[الأنفال:33].
فمن كان على طاعة الرسول فهو في أمن من عذاب الله على قدر اتباعه للرسول لأنه لا سلامة للمسلم ولا للمسلمين عموما من الفتن والشرور ولا نجاة لهم من المخاطر ولا عاصم لهم من المهالك إلا بطاعة الرسول واتباعه.
5 - الفوز العظيم لمن أطاع الرسول

قال تعالى : ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:71].
"ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما "وذلك أنه يجار من نار الجحيم ويصير إلى النعيم المقيم.
(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)[النور:52].وقوله "فأولئك هم الفائزون" يعني الذين فازوا بكل خير وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة.
(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[النساء:13].

6 - الفلاح  لمن اتبع محمد رسول الله وكان حاله مع رسول الله دائما (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا )
(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا   وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[النور:51].
حصر الفلاح فيهم، لأن الفلاح: الفوز بالمطلوب، والنجاة من المكروه، ولا يفلح إلا من حَكّمَ الله ورسوله، وأطاع الله ورسوله.
7 - الحياة الطيبة السعيدة لمن اتبع محمدا رسول الله

قال الله تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)[الأنفال:24].
وقال عز جلاله وتقدست أسماؤه : (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ)[آل عمران:172].
وقال سبحانه : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل:97].
وقال تعالى : (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ)[طه:123].




الخطبة الثانية


8 - طاعة الرسول تجمع للمؤمن المحاسن  وتعصمه من المساويء
قال الله تعالى : (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[الأحزاب:21].
فابشر أيها المتبع للرسول الكريم بالحسنى وزيادة لأنك أحسنت باتباع الرسول وأحسنت في الاتباع (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[يونس:26].
(لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)[الرعد:18]. والمستجيب لربه الذي وعده الحسنى هو المتبع لرسول الله ومن لم يتبع رسول الله لم يستجب لله ولن يقبل الله منه شيئا (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)[النجم:31].

9 - دخول الجنة
قال الله تعالى :(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا)[ الفتح:17].
وقال سبحانه : (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[النساء:13].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى 

10- الله يحب من يتبع رسول الله
الكثير من الناس يدعون إنهم يحبون الله سواء من المنتسبين إلى الإسلام أو اليهود والنصارى أو حتى بعض الزنادقة الذين يظهرون الإسلام نفاقا ولكن الله قطع هذه الادعاءات التي أكثرها كاذبة كما قال الله تعالى : (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)[آل عمران:31-32].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

"وَلِهَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ لِلْمَحَبَّةِ مِحْنَةً يَمْتَحِنُ بِهَا الْمُحِبَّ فَقَالَ : { قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ } فَلَا يَكُونُ مُحِبًّا لِلَّهِ إلَّا مَنْ يَتَّبِعُ."
"وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا أَنَّ مَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَمَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ وَلَمْ يَتَّبِعْ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَظُنُّونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ فِي غَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ".
وقال :
"فَجَعَلَ مَحَبَّةَ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ مُوجِبَةً لِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ، وَجَعَلَ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ سَبَبًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ عَبْدَهُ."
"وقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : ادَّعَى قَوْمٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ ؛ فَطَالَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَجَعَلَ مَحَبَّةَ الْعَبْدِ لِلَّهِ مُوجِبَةً لِمُتَابَعَةِ رَسُولِهِ وَجَعَلَ مُتَابَعَةَ رَسُولِهِ مُوجِبَةً لِمَحَبَّةِ الرَّبِّ عَبْدَهُ" .

 وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ كَعَمَلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ». فَقَالَ أَنَسٌ فَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَرِحُوا بِشَىْءٍ قَطُّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الإِسْلاَمَ مَا فَرِحُوا بِهَذَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَقَالَ أَنَسٌ فَنَحْنُ نُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَعْمَلَ كَعَمَلِهِ فَإِذَا كُنَّا مَعَهُ فَحَسْبُنَا.

فالمؤمن الذي يحب الله ورسوله لا يمكن أن يعمل مثل عمل الرسول ولكن يكفيه أن يجتهد في طاعة الرسول حسب استطاعته ويحاسب نفسه على أي مخالفه للرسول ويدرك هذا الفضل المترتب على طاعة الرسول بإذن الله والله ذو فضل عظيم.
قال العلامة ابن قيم في النونية:
شرط المحبة أن توافق من ... تحب على محبته بلا عصيان
فإذا ادعيت له المحبة مع خلا  ... فك ما يحب فأنت ذو بهتان
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في إمكان
وكذا تعادي جاهدا أحبابه ... أين المحبة يا أخا الشيطان

يا مدعي حب طه لا تخالفه  ***  الخلف يحرم في دنيا المحبينا
أراك تأخذ شيئا من شريعته *** وتترك البعض تدوينا و تهوينا
خذها جميعا تجد خيرا تفوز به*** أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا



الجمعة، 31 أغسطس 2012

دروس من رمضان (خطب شوال)

دروس من رمضان (خطب شوال)
الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله لا إله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد،،،
 
أيها المسلمون قد صمنا رمضان ومن الجدير بنا أن نلتمس بعض الدروس  التي خرجنا وتخرجنا بها حتى تعيننا على الاستمرار على العمل الصالح بعد رمضان.
فمن هذه الدروس :
1 – التقوى
فقد صمنا ونحن نعلم جميعا أن الله  فرض علينا الصوم لحكم جليلة من أهمها تقوى الله كما أخبر بذلك في قوله تعالى : ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من  قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات ..).
فإذا كنا صمنا طاعة لربنا ومن أجل أن نرتقي في درجات التقوى فمن العقل والحكمة والرشد وعلامة الإيمان أن نحافظ على التمسك بتقوى الله بعد رمضان
فالتقوى هي سبب لكل خير وجالبة لكل بركة وفاتحة لكل باب رحمة ومانعة من كل شر وحامية من كل سوء ومنجية من كل بلاء وفتنة .
والمتقون هم أهل الجنة (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) [آل عمران:133] ،
 وأولياء الرحمن (‏أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ‏ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يونس:62-63] ، ويحبهم الله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [التوبة:7].
فكن من المتقين أيها المسلم في كل حياتك وأقوالك وأعمالك وأفعالك وأخلاقك وجميع أحوالك حتى تنجو من عذاب الله وتسلم من عواقب سيئاتك وتفوز بكل خير وتصل إلى كل فضيلة عالية.

2- الإجتهاد في الأعمال الصالحة
كنا في رمضان نجتهد في الأعمال الصالحة من صيام وصلاة وقيام وقرآن ودعاء وصدقة ...الخ.
من المهم الاستمرار على العمل الصالح بعد رمضان وإن قل فعن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ   . قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:أحب الأعمال إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ.قَالَ : وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ. أخرجه أحمد 6/165 . و"مسلم" 2/189.
والأبلغ من ذلك كله قوله تعالى ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) فإذا هذا خطاب الله لرسوله الذي ليس في حياته فراغ ولا ضياع كحياتنا والذي يقوم حتى تتفطر قدماه ويبلغ رسالة ربه ويعلم ويجاهد ويربي ويقوم بكل عبادة جليلة القدر وكبيرة الفضلة ومتعدية النفع فماذا نقول نحن لأنفسنا !!
فلا يمنعك من العبادة إلا الموت إن كنت من المؤمنين وحاول أن لا تنقطع عن ربك طرفة عين إن استطعت وأن يصعد لك في كل لحظة إلى الله عمل صالح.

3 -  رحيل رمضان نقص من أعمارنا فهل نعتبر!!
الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَنْ والاه، أما بعد،،،

4 – شياطين رمضان
إن من خصائص رمضان وفضائله كما روى أَبو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِى مُنَادٍ يَا بَاغِىَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِىَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ » الترمذي
مع هذه الفضائل الشريفة لهذا الشهر نجد أن شياطين الإنس وخاصة في القنوات الفاسدة المفسدة كقنوات MBC العاهرة الفاجرة ومثيلاتها وأخواتها وزميلاتها ينشطون ويضاعفون جهودهم في إفساد الناس في رمضان وصدهم عن العبادة وإشغالهم بما يضرهم ولا ينفعهم .
فنستفيد من ذلك درسا كبيرا هاما أن الذي لم تمنعه حرمة رمضان ولا مكانته من الفساد والإفساد فلن يمتنع عن ذلك في غير رمضان فوجب علينا الحذر والمحافظة على أنفسنا وأولادنا وأهلنا وبيوتنا من هؤلاء المجرمين المفسدين حتى لا يفسدوا ديننا فنفسد ونهلك ونكون من الخاسرين.




الجمعة، 3 أغسطس 2012

جريمة الزنا وخطر عواقبها ، جحيم الزنا ، الحذر من الزنا

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صَلَّى اللهُ عليه وعلى آله الطاهرين، وصحابته الطيبين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليما كثيرا مَزيدا.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أيها الناس: قد وقع في هذا الزمان ما أخبر به رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- من ظهور الزنا، حيث قال: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ" رواه البخاري.

والزنا فاحشة قبيحة، تفسد الدنيا والدين، وتقتل الحياء، وتكسر العفة، وتجر إلى كل قبيح، وتعقب كل خبيث. قال الله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) [الإسراء:32].

فنهى الله في هذه الآية عن أسباب الزنا بقوله: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى)، وبيَّن حقيقة الزنا بقوله الزاجر: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً )، وحذر من عواقبه المدمرة بقوله: (وَسَاء سَبِيلاً). فكيف يقبل عاقل لنفسه التدنس برجس هذه الفاحشة القذرة، بعد هذه البيان الرباني المحذر المنذر؟!.

ففاحشة الزنا تُغضب الله، وتسبب عذابه؛ فعَنْ عَائِشَةَ -في حديث طويل- قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَر مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِىَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ! يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً! أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟" متفق عليه.

وعن سَمُرَةَ بْنُ جُنْدَبٍ -رضي الله عنه- قَالَ في حديثٍ طويلٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّهُ أتاني اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِى، وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِي انْطَلِقْ. وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ، فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌـٌ وَأَصْوَاتٌ -قَالَ- فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا -قَالَ- قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلاَءِ؟ قالا: إِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي" رواه البخاري.

ومن أدلة قبح هذه الفاحشة النكراء أنها قُرنت بجريمتي الردة والقتل، فعَنْ عبدِ الله بن مَسعودٍ -رضي الله عنه- قالَ: قالَ رَسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلاَّ بِإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتَّارِكُ لِدينِهِ المُفارِقُ لِلجماعَةِ" رواهُ جميعُ الأئمةُ.

فالأمر خطير -يا عباد الله- فقد ورد في حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ" رواه جميع الأئمة.

وجريمة الزنا من الرجل الكبير أقبح وأشنع منها من الصغير، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ" رواه أحمد ومسلم.

وعن أَبِى ذَرٍّ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "ثَلاَثَةٌ يَبْغَضُهُمُ اللَّهُ: الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِىُّ الظَّلُومُ" رواه أحمد والنسائي والترمذي.

والزنا بالجارة أعظم عدوانا، وأشدُّ جرما، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود -رضي الله عنه- قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ" رواه البخاري ومسلم.

وعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لأَصْحَابِهِ: "مَا تَقُولُونَ فِى الزِّنَا؟" قَالُوا: حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لأَصْحَابِهِ: "لِأَنْ يَزْنِىَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِىَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ". قَالَ: فَقَالَ: "مَا تَقُولُونَ فِى السَّرِقَةِ؟". قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهِىَ حَرَامٌ. قَالَ: "لأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ" رواه أحمد. والزنا بالمحارم أقبح من ذلك.

أيها المؤمنون: قد سمعتم بعضا مما ورد من الأدلة لبيان قبح فاحشة الزنا، وخطر عواقبها، فما هي دواعي الزنا، والأسباب الموقعة فيه؟.

من دواعي الزنا وأسباب الوقوع فيه:
1/ التبرج والسفور، والتهاون في الحجاب الشرعي: قال الله تعالى: (وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) [الأحزاب:33]، فنهاهُنَّ اللهُ عن تبرجِ الجاهلية، وهو إظهار الزينة والمحاسن، كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراع والساق، ونحو ذلك من الزينة؛ لما في ذلك من الفساد العظيم، والفتنة الكبيرة، وتحريك قلوبِ الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا. ويدخل في التبرج مشية التبختر والتكسر، والتغنج، التي تفعلها بعض النساء قليلات الحياء.

2/ من دواعي الفاحشة الخضوع بالقول، فإنه يفتح أبواب الفتنة: قال الله تعالى: ( يَانِسَاءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) [32].

وهذا نهيٌ لنساء النبي الطاهرات عن القول الليِّن والمرخَّم والرخيص؛ حتى لا يطمع الذي في قلبه شهوة الزنا. فأين من تخاطِب مرضى الشهوات عبر الهاتف أو غيره من هذه الآية؟! وأين الغزليون من هذا النهي الرباني؟ لماذا يزيدون مرضهم مرضا، ويتداوون بالتي هي الداء؟!.

4/ من أسباب الزنا الخلوة بالأجانب، وسفر المرأة بدون محرم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِى مَحْرَمٍ". فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِى غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: "ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ" أخرجه البخاري ومسلم.
قال ابن حجر: فيه منع الخلوة بالأجنبية، وهو إجماع. فتح الباري (4/92).

وعَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا" رواه أحمد.

4/ ومن أسباب الزنا النظر إلى النساء أو إلى صورهن: قال تعالي: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) [النور:30-31]. وقدم غض البصر على حفظ الفرج لأن النظر بريد الزنا، ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر.

5/ ومن دواعي الزنا مخالطة الرجال للنساء في الأسواق والعمل والتعليم والحفلات والمناسبات وغيرها، فقد منعَ الرسولُ مخالطةَ النساءِ للرجالِ في المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله، وفي الصلاة التي هي عمود الإسلام، فغيرها بالمنع أولى.

ومن ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا" أخرجه مسلم.

وقد جاء النهي عن الاختلاط عام في قول الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) [الأحزاب:53]. وهذا قيل للصحابة وأمهات المؤمنين. فمَن يزعُم أنه اطهرُ منهم؟!.

وجاء التحذير من الدخول على النساء لغير المحارم: فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ!" فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟. قَالَ: "الْحَمْوُ الْمَوْتُ" أخرجه البخاري ومسلم. والمراد بالحمو أقارب الزوج من غير المحارم، كالأخ والعم والخال وأبنائهم.

وقوله: "الحمو الموت" أي: لقاؤه الهلاك؛ لأن دخوله أخطر من دخول الأجنبي، وأقرب إلى وقوع الجريمة؛ لأن الناس يتساهلون بخلطة الرجل بزوجة أخيه والخلوة بها فيدخل بدون نَكير، فيكون الشر منه أكثر، والفتنة به أمكن.

6/ ومن دواعي الزنا ما يحصل من النساء لإثارة الرجال: فقد جاءَ النهيُ الزاجرُ عن كلِ ما يثيرُ الرجالَ، حيثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِىَ زَانِيَةٌ" رواه النسائي وأحمد.

7/ ومن أسباب الزنا زنا الجوارح: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-: "زِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ". فالعين لا تنظر بها إلى الحرام، والأذن لا تسمع بها الأغاني والحرام، واللسان لا تتكلم به في الحرام؛ فإن هذا من زنا الجوارح.

ومن أكثر الأسباب المشجعة على الزنا المعاكسات، وإثارة العواطف، والتلاعب بالمشاعر. فاهجروا الأغاني وآلات الملاهي؛ فإنها رائدة الفجور، وشَرَك الشيطان، ورُقية الزنا.

8/ ومن أقوى دواعي الزنا وأهم أسبابه مشاهدة القنوات الفاسدة المفسدة التي تبث ما يربي الناس على ثقافة الزنا، وتنشر ما يثير الغرائز ويحرك النفوس لفعل الفاحشة، وتقدم مادة الزنا للمشاهِد بكل احتراف ماكر، وجذب خائن خادع .

فهي تعرض الصورة الفاتنة الداعرة التي يمثلها جيش من العاريات الكاسيات، وتبث الأغاني التي هي بريد الزنا ورقيته، وتكثر فيها المقاطع التي تدعو للفاحشة بصراحة ووضوح.

وما مثَل مَن يستقبل رسالة هذه القنوات الفاجرة التي هي المدارس المخصصة في إشاعة الفاحشة في بيته إلا كما قال الشاعر:
ألقاهُ في اليَمِّ مكتُوفاً وقَالَ لَهُ *** إياكَ إياكَ أنْ تبتلَّ بالماءِ!

9/ ومن أخطر دواعي الزنا وأضرها هذه الأجهزة التي تسمى ذكية ولكن البعض يستخدمها استخدامات غير زكية!! وقد كثر استخدامها بين الصغار أكثر من الكبار ولها من التأثير السيء والضرر الكبير والخطر المستطير ما لا يخفى على عاقل عالم بهذه الأجهزة وقد جمعت هذه الأجهزة مخاطر الأنترنت والجوال والقنوات الفضائية فهو جهاز واحد فيه هذه الثلاث!! وسيكون له خلال الأيام القادمة ثورة أخطر وسونامي أضر وأشر!!
وليس أمامنا لحماية أبناءنا ووقايتهم من شره أو تخفيف ضرره إلا التحصين بالإيمان والعلم ، والوقاية بالتقوى، والتحذير من خطره والتوجيه للانشغال باستخداماته المفيدة التي قد تمنع أو تخفف سيئاتهز
وعلينا جميعا التفكير الجاد لإيجاد الوسائل والحلول لهذه الطامة والسعي لاستبدال شره بخير ومضاره بمنافع وسيئاته بحسنات.


أيها الناس: يجب الحذَر من أسباب الزنا والبعد عن دواعيه؛ فإن المحافظة على السلامة من الكسر أولى وأوجب عند جميع العقلاء من تجبير الكسور. كما يجب في الوقت نفسه المحافظة على التقوى والعفة والشرف، وتذكُّر ما أعده الله لأهل التقوى والعفاف. فقد مدح الله المؤمنين بقوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) [المؤمنون:1]، وعَدَّدَ من صفاتهم: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) [5-7].

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ"، وذكر منهم: "شَابٌّ نَشَأَ فِى عِبَادَةِ اللَّهِ... وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ" رواه البخاري.

وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ يَضْمَنْ لِى مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ" رواه البخاري.

وما أعده الله لأهل كرامته، أهل التقوى والعفاف، من النعيم المقيم في جنات النعيم، وما فيها من الحور العين الطاهرات الحسان في تلك الجنان، فكيف يليق بالعاقل أن يبيع هذه الدرر الباقية بالبعر الفاني؟!.

(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الفرقان:68-70].


الخطبة الثانية:

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا أَنْ يُحْمَدَ وَيَنْبَغِي لَهُ، وأصلي وأسلم على نبي الرحمة والملحمة.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، فاتقوا الله وخافوه وأطيعوه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119].

أيها الناس: إن للزنا عواقبَ مُشينةً، ومضارَّاً قبيحة في الدنيا والآخرة، منها:

(1) الزّنا يجمعُ خلالَ الشّرّ كلّها، من قلّة الدّين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلّة الغيرة.

(2) في الزّنا غضب الرّبّ تبارك وتعالى بانتهاك حُرَمِه، وإفسادِ خَلقه.

(3) من أضرار الزّنا خبث النّفس، وإذهاب الحياء، ورفع الحشمة.

(4) سواد وجه الزّاني، وظلمته، وما يعلوه من الكآبة والمقت الّذي يبدو عليه للنّاظرين.

(5) ظلمة القلب وطمس نوره.

(6) الفقرُ اللّازمُ؛ لأنّ اللّه- عزّ وجلّ- مُفْقِرُ الزُّناة.

(7) الزّنا يُذهِب حرمة فاعله، ويعرّضه للحدّ في الدّنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.

(8) الزّنا يسلب الزّاني أحسن الأسماء، وهي العفّة والبرّ والأمانة، ويعطيه أضدادها، كالفاجر والفاسق والزّاني والخائن.

(9) يفارق الزّاني وصف (الطّيّب) الّذي يتّسم به أهل العفاف، ويتبدّل به بـ (الخبيث) الّذي يتّصف به الزّناة، وقد حرّم اللّه الجنّة على كلّ خبيث، وجعلها مأوَى للطّيّبين.

(10) من أضرار الزّنا على المجتمع اختلاط الأنساب واشتباهها، ويؤدّي إلى ضيق في الأرزاق، وخراب في الدّيار، وإيقاع الوحشة بين أبناء المجتمع، ويشعل نار العداوات، ويقوي الفرقة والتقاطع والأحقاد.

(11) يسبّب الزّنا ظهور أمراض وبلايا لا يعلمها إلّا اللّه -عزّ وجلّ-، ومنها مرض فقد المناعة (الإيدز)، ومرض السيلان، والزهري، وغيرها من الأمراض الّتي شاعت في المجتمعات الفاجرة هذه الأيّام.

فيا عباد الله توبوا إلى الله واتقوه، (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور:31]، واعلموا: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة:222]، و (مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) [الفرقان:70]، و( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه:82]، و"التائبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنبَ لَهُ".

( وَالذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [آل عمران:135-136].

ونختم بقول الله تعالى: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [إبراهيم:52]، وقوله: (بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) [الأحقاف:35].

مكر المجرمين، خطورة المكر وشناعة عواقبه

الْحَمْدُ للِّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِ الله ورسوله فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا، وَلاَ يَضُرُّ إِلاَّ نَفْسَهُ.

صلى الله على عبده ورسوله وسلَّمَ تسليماً كثيراً، وعلى صحابته وآله والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِى النَّار.

أيها الناس: اعلموا أن أعداءكم يمكرون بكم وبدينكم ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) [إبراهيم:46].

عباد الله: مكر المجرمين معناه كل شيء يقصد به ضر المسلم في هيئة أو صورة تخفى عليه، أو تلبيس فعل الإضرار بصورة النفع، أو إخفاء الأضرار، أو إبرازها في صورة المسالمة، أو إظهار الطيب وإبطان الخبث.

أيها المؤمنون: المكر السيئ صفة أعداء الله في كل مكان وزمان، وطريقتهم الثابتة في التعامل مع الإسلام وأهله؛ وقد بين الله لنا في كتابه العظيم المبين، أن أعداءه قد قابلوا رسله بالمكر، واتخذوا المكر وسيلة لمحاربة الحق الذي نزلت به كتب الله، وأرسلت به رسله.

وهذه بعض الأمثلة التي تبين مكر المجرمين السابقين بالحق ورسله:

أولا: ذكر الله بعض مكر قوم نوح، بقوله تعالى: ( وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ) [نوح:22-23].

ثانيا: وهذا بعض مكر قوم صالح، فقد قص الله علينا محاولة اغتيال رسول الله صالحا من قِبل تسعة من أكابر ثمود الآثمة وذلك في قوله تعالى: ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [النمل: 48-52].

ثالثا: بيَّن الله لنا بعض مكر اليهود بعيسى -عليه السلام- بقوله: (وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) [ آل عمران:54].

رابعا: قد تعرض رسولنا لأنواع المكر بجميع أشكاله وكل صوره، فكان في مكة يتعرض لمكر الكفار ليلا ونهارا، كما صور الله لنا بشاعة المكر برسولنا في قوله (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الانفال:30]، أي: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيسجنوك أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يطردوك. وقد ربط الله على قلب رسوله، وسلاه في مصيبته، وتكفل بحفظه، ووعده بنصره، وذلك كله في قوله تعالى: (وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).

ثم انتقل إلى المدينة فاشتد عليه المكرُ، وأصابه من مكر أعداء الله مكرٌ لو أصاب الجبالَ لزالت؛ فمكرٌ من داخل الصف الإسلامي يتزعمه أهل النفاق أهل الغدر والخيانة والشقاق، ومكرٌ من الجيران اليهود نقَضَة العهود وخونة الوعود، وليس غريبا ذلك على إخوة الخنازير والقرود؛ ومكر خارجي تتزعمه الوثنية في مكة.

فقد آذاه المكر الذي اجتمع عليه من المنافقين واليهود والوثنيين في دينه وصحابته، وسُمَّ في صحته، وجُرح في جسده، وجرحه المنافقون في عرضه جرحا لا يزال إلى هذه الساعة؛ ومع ذلك كله كان الرسول ثابتا مجاهدا في سبيل الله بالسنان والبيان، محتسبا صابرا كما أمره الله بقوله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) [النحل:127].

أيها الناس: إن أعداء الله يجتهدون في ضر المسلمين بكل ما يستطيعون؛ ولا يستطيعون -في الغالب- إيصال الضرر للمسلمين إلا بالمكر، كما مكر أسلافهم برسل الله.

ومن أمثلة مكر الكافرين بالمسلمين:

أولا: صد المسلمين عن دينهم، الدين الذي هو مصدر قوة المسلمين، وسبب عزتهم، وأساس غلبتهم لأعداء الله، وسر تميزهم الذي أهلهم للسيادة والقيادة.

ثانيا: تفريق المسلمين ونشر الخلافات بينهم وإضعاف قوة الصف، وتفريق الكلمة، وإيجاد الفجوة بين الحكام والشعوب، أوإفساد الحكام ثم استغلال ذلك كله لضرب المسلمين بعضهم ببعض، وإهلاك أنفسهم بأيديهم، والعدو هو وحده المستفيد الأول والأخير.

ثالثا: زرع بذرة الشر والفتنة والبدع في أرض المسلمين من خلال إنشاء البدع والمذاهب المنحرفة، والأفكار الهدامة، وأهل الأهواء؛ لاستخدامهم ضد المسلمين جنودا معتدية آثمة، وأقلاما مسمومة، وجواسيس غادرة، ودعاة فجرة.

فها هي تلك الخناجر المسمومة التي كان لسانها يعلن عداوته للشيطان الأصغر قبل الأكبر كل جمعة، وعبر كل إذاعة، ثم يطعن بها أعداءُ الشيطانِ أهلَ الإسلام كل ساعة، ويعتذر للشيطان الأصغر من كلام الباعة، الذي صدر للنشر والإشاعة، ودعما لترويج البضاعة، وتلبيسا على سُذَّجِ أهل السنة والجماعة!.

رابعا: ومن مكر المفسدين إشغال المسلمين عما ينفعهم بأمور أقل ما يقال فيها أنها تضر ولا تنفع، مثل متابعة ومشاهدة القنوات الفاسدة، ومتابعة أخبار المغنين، وأهل الفن واللاعبين.

خامسا: نشر الفساد بين المسلمين ودعوتهم للوقوع فيه وإيجاد قدوات فاسدة للشباب والفتيات ونشر أسباب الفساد والفواحش بين الشباب قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) [فاطر:10]. وقال تعالى: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) [سبأ:34].

فقد مكروا مكراً شديداً بالليلِ والنهار، بأساليب ووسائل خبيثة ماكرة تزينُ الفاحشة، وتصد عن الآخرةِ، ففشت الفواحشُ والمظالم، ونِيلَ من الأعراض، وأُكلت الأموال بغير حق، وظهرت صورُ صارخةِ من الحسد والبغضاء، والفرقةِ والخلاف، وعندها استُضعِفَ المسلمون، وتبجحَ وتسلطَ الملحدون والمجرمون.

سادسا: بث روح الانهزام في المسلمين، وإقناعهم بكل وسيلة بعجزهم وفشلهم، وإيقاظ الفتن وإشعال الحروب من قبل عملائهم؛ لإشغال المسلمين في أنفسهم، واستنزاف ثرواتهم وطاقاتهم، وضياع قدراتهم وجهودهم.

عباد الله: إن أعداء الله يمكرون مكراً عظيماً لا يمكن أن نتخيله ولا ندرك منه إلا القليل، قال الله تعالى في وصف مكر أعداء الدين لأهل الإسلام: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) [إبراهيم:46].أي: مكراً عظيماً تزلزل منه الجبال وتزول من أماكنها؛ لكن الله -جل وعلا- لهم بالمرصاد، وهو -جلّ وعلا- من ورائهم محيط.

(بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الرعد:33]، فقد زُيِّنَ لهم مكرهم القبيح الذي تفوح منه روائح الإجرام، والغطرسة والعتو، والانحلال والفساد؛ فالبغاة الطغاة الذين اعتزوا بقوتهم، واغتروا بما لديهم من كثرة عدد وعدة ووسائل، أعلنوا غطرستهم، وأظهروا هيمنتهم على المسلمين.

ولهم مكر خفي، وكيد عالمي، يمكرون به ويكيدون للإسلام وأهله، وكثيراً ما يروج هذا الكيد، ويمر هذا المكر بغفلة وسذاجة من كثير من أهل الإسلام، بل ربما تروج الحِيَل حتى يتبناها من بني جلدتنا والناطقين بألسنتنا مَن يروِّجون لها، ومن يرون فيها حقاً وصواباً، بل من يندفعون إليها متحمسين غير مدركين لتلك الألاعيب والحيل التي تسيّرها وتروّجها آلة إعلامية ضخمة، تغير الحقائق، وتجعل البريء الذي ليس متهماً مدانا مجرماً، وتجعل الباطل وتصوره على أنه هو الحق الناصع، والعدل التام!.

وهذا المكر والكيد يحيط بنا من سائر الجوانب، وفي كل مجتمعات المسلمين، وفي سائر ديارهم، وفي جميع مجالات حياتهم، إنه مكر عظيم كبير، إنه كيد خطير، فهل يُرعبنا ذلك -معاشر المؤمنين-؟ وهل يفتّ في عضدنا -معاشرَ المسلمين-؟ وهل يجعلنا في حيرة من أمرنا، وفي شك من ديننا؟ وهل يدفعنا إلى أن نلتمس الخلاص منه في شرق أو غرب، أو استعانة بهذا أو ذاك؟ أو لين وذلّ لا يتفق مع الإسلام؛ لأجل مداراة أو مداهنة؟. (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [آل عمران:146].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ) [النحل: 26]. أقول ما قلت وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.





الخطبة الثانية:




الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى؛ والصلاة والسلام على خير رسل الله، وعلى آله وصحابته.

أما بعد: لا يخفى على أحد تعرض ديننا وبلادنا لأنواع المكر، صغيرها وكبيرها، قريبها وبعيدها.

إن الواجب علينا في مجابهة مكر الماكرين بنا أمور، من أهمها:

أولا: معرفة طريقة الرسل في التعامل مع مكر المفسدين المعتدين، وخاصة سنة رسولنا وسيرته في التعامل مع مكر المنافقين واليهود والمشركين وغيرهم.

ثانيا: إعداد العدة وبذل الجهد والطاقة في إيجاد القوة، ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) [الأنفال:60]، وهذا يشمل قوة العلم والإيمان والعمل الصالح، والقوة العسكرية، وتعلم وإتقان ما لدينا من أسلحة ومعدات، وقوة العقل والتفكير، وقوة البدن صحيا ورياضيا؛ لأن ذلك من مقومات المعركة الناجحة ضد العدو.

ثالثا: الحذر من المعاصي جنود إبليس قبل الحذر من جنود العدو، وتحرير قلوبنا من استحلال الشيطان؛ حتى نستطيع حماية ديننا وبلادنا من الأعداء، فالذي لا يستطيع أن يحمي قلبه الذي لا يتجاوز بضع (سنتيات) كيف يستطيع حماية حدود بلاد تتجاوز مئات الكيلوات؟.

إن الألفة بيننا وبين المعاصي، وتطبيع العلاقات مع الشيطان وعمله؛ يسبب لنا استمرارا وتعودا على معاصي الله، فإذا حصل ذلك وقعت الكارثة، وحل الخسران، كما قال تعالى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف:99]، فالأمن من مكر الله كبيرة من كبائر الذنوب.

فالذي يداوم على المعاصي، ويستمر عليها، ويصر على فعلها ولم يتب، فهو خاسر من الخاسرين؛ لأنه قد أمن من مكر الله الذي عصاه بنعمه.

فلا سلامةَ، ولا نصر، ولا نجاة إلا بالخوف من الله... وعلامة الخوف من الله فعل الطاعات، والتوبة من المعاصي، واجتنابها؛ فالمعاصي هي سبب كل بلاء ومصيبة وشر في الدنيا والدين، كما قال تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى:30]، وقال تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 165]، وقال تعالى: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء:79].

رابعا: حفظ نعم الله بالطاعة، فقد انعم الله علينا بنعم يجب استخدامها في طاعته، والبعد عن معاصيه؛ لقد أنعم الله علينا بنعم لم يُنعم بها جميعا على أحد من العالمين من حولنا، فهدانا لدينه، وانزل فينا كتابه، بِلُغتنا، وبعث فينا رسوله، وقد جمعنا الله بعد فرقة، وأمَّنَنَا بعد خوف، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة. فمالنا عن طاعته معرضون أو متهاونون؟ ولمعصيته فاعلون؟ منا المقلون، وأكثرنا المكثرون؟!.

فيجب علينا حفظ نعم الله بطاعته، والحذر من معصيته، (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) [يونس:21]، وقوله: (إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا) أي: يسعون بالباطل ليبطلوا به الحق. (قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا)، فمكر الله بمن عصاه سريع، وعقابه شديد وإن أمهل إلى حين.
فإذا شكرنا الله على نعمه قرَّتْ واستمرت وسرَّت، وإذا قابلنا نعم الله بمعاصيه فرت ولا نفعت بل ضرت، فاشكروا الله على نعمه، واستعينوا بها على ما ينفعكم، قال تعالى:(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم:7]. فما بالُنا؟ قليلٌ منا الشاكرون! والشاكرون مقتصدون! بل أكثرنا في شكر الله زاهدون.

خامسا: إن مما يثبتنا ويقوي عزائمنا معرفة سنة الله في المكر والماكرين، وقد غاب عن هؤلاء المجرمين المستكبرين الماكرين بالمسلمين أن من سنن الله الثابتة التي لا تتبدل ولا تتحول مَكْرَه بمن مكر بدينه أو شيء من أحكام الدين وسنة الرسول، أو أوليائه الصالحين، فما هي سنة الله تعالى في الماكرين الأولين والتي ستُخزي وتهلك الموجودين واللاحقين من الماكرين المفسدين؟ إنها سنة تتصف بالصفات التالية:

الأول: سرعة مجيئها، وأنها تأتي بسرعة مفاجئة فإذا هم مبلسون، قال تعالى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) [يونس:21].

الثاني: شدة عذابها وتدميرها، قال تعالى: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ) [الأنعام:124]، وقال تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [النمل: 50-52].

الثالث: تأتيهم من حيث لا يحتسبون، بل تأتيهم من حيث يأمنون، كما قال تعالى: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ) [النحل: 26]، أي: إن الله اجتث مكرهم من أصله، واقتلعه من أساسه؛ فأبطل عملهم، وأسقط بنيان خططهم الخبيثة، وكيدهم الخاسر! قال تعالى: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [ الحشر:2].

رابعا: أن مكر المفسدين خاسر، كما بين الله ذلك في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) [فاطر:10]. فهم خاسرون، مهما يمكرون ويفعلون.

خامسا: إن الماكر يمكر بنفسه، وعاقبة مكره عليه، قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [فاطر:42-43]، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [الأنعام:123].

سادسا: من صفات سنة الله في المكر والماكرين أنها لا تتغير ولا تتحول، فهي سنة ربانية ثابتة في كل ماكر في كل زمان ومكان، كما في الآية السابقة.

وفي الختام: يجب على المسلمين أن يعلموا أن سنة الله في الماكرين لا بد لها من أسباب ومن أهم هذه الأسباب أن يعملوا المسلمون الأعمال التي تمنع وقوع مكر المجرمين أو تبطل وتزيل مكر المفسدين أو تخفف ضرر مكر الماكرين.
وكذلك سنن الله في نصر المؤمنين والتمكين لهم والدفاع عنهم وحفظهم وتأييدهم وإظهارهم على عدوهم لا تحصل للمؤمنين إلا بالأعمال المحقق والجالبة لوجود هذه السنن بفضل الله ورحمته وإحسانه، ولن تحصل هذه السنن للبطالين أو المقصرين في الأعمال الصالحة المناسبة لهذه السنن الربانية كما بينها الله لنا في كتابه وربط السنن بأسبابها .

الجمعة، 20 يوليو 2012

فوائد الصيام ، منافع الصيام ،خيرات رمضان

إن المتأمل في كلام الله في آيات الصيام في كتابه الكريم، وأقوال رسوله في سنته الشريفة، وما صرحت به من حِكَمٍ حكيمة، وفوائد مفيدة، ومنافع جليلة، وفضائل كبيرة، ومِنَح جزيلة؛ ليدرك أن أكثر المسلمين في غفلة عن كنوز عبادة الصيام، وفضائلها، ومحاسنها الحميدة، وفوائدها العظيمة.

فمن فوائد الصيام أنه يربي المسلم على العدل، وهي فائدة جليلة ينبغي التنبه لها، والتذكير بعدل الله -سبحانه وتعالى- ومساواته بين خلقه، حيث جعل هذا الركن فرضاً على جميع المسلمين، غنيهم وفقيرهم، وملوكهم وعامتهم.

فالله -سبحانه وتعالى- حَكَمٌ عدل ساوى بين الناس في التشريع العام، الذي يشترك فيه الناس، فكلهم سواسية، لا يقال إن الملك يمكن أن يعفى من هذا الركن وهو قادر ومستطيع، ولا المسكين بدلاً من يصوم شهراً يصوم شهرين، فالغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، والحمّال والزبّال يشترك في ذلك مع أعظم ملك في الدنيا، وبهذا العدل من الله -سبحانه وتعالى- يتذكر المسلم العدل، ويعدل فيما ولاه الله، ويتذكر الملوك العدل الذي فُرِضَ عليهم إقامته بين رعاياهم.

ومن فوائد الصيام أن الصوم يعود المسلم النظام والانضباط والدقة في حياته، فهو يتناول طعام السحور إلى طلوع الفجر، ويتناول إفطاره عند الغروب ولا يؤخره. قال الله تعالى: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) [البقرة:187]، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ"، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" البخاري.

ومن فوائد الصيام الصحية أنه يقضي على المواد المترسبة في البدن، لاسيما المترفين أولي النَهَم في الأكل، قليلي العمل؛ فإنه يطهر البدن من الأخلاط الرديئة، ويذيب الشحوم، أو يحول دون كثرتها في الجوف، وهي شديدة الخطر على القلب، وقد اعترف بذلك الكثير من الأطباء، وعالجوا به كثيراً من الأمراض.

فالصيام له فوائدٌ صحيةٌ كثيرةٌ يجنيها الصائمون في فترةِ الصيام، وقد أثبت الطبُ الحديثُ بأبحاثه وتجاربه وما توصلَ إليه من نتائج أن الصومَ أفضل وسيلةِ للإنسانِ للتخلصِ من كثيرٍ من الأمراضِ والمعاناةِ التي عجزَ الأطباءُ عن علاجِها.

ومن فوائد الصيام أنه يعوِّد الإنسان على الإحسان، وعلى الشفقة على المحتاجين والفقراء؛ لأنه إذا ذاق طعم الجوع وطعم العطش فإن ذلك يرقق قلبه، ويلين شعوره لإخوانه المحتاجين، فينمي في المسلم عاطفة الرحمة والأخوة، والشعور برابطة التضامن والتعاون التي تربط بين المسلمين فيما بينهم، فيدفعه إحساسه بالجوع والعطش إلى أن يمد يد العون والمساعدة للآخرين الذين كانوا يقاسون مرارة الفقر والحرمان طيلة أيام السنة.

ومن فوائد الصيام أن الصوم يجسد وحدة المسلمين في العبادة، والسير على منهج موحد في هذه العبادة كغيرها في هذا الشهر، فسلوكهم فيه متشابه، سواء في ذلك القاصي والداني.

ومن فوائد الصيام أنه سبب في اليسر ويبعد عن العسر، كما قال الله تعالى في آيات الصيام: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة:185]، وليس اليسر في إفطار المريض أو من يشق عليه الصوم، بل إن هناك يسر أعظم وأنفع وأهم للصائمين، وهو ما ينالونه من أجور عظيمة، وما يحققونه من منافع كبيرة، يكون الصوم سبباً في تيسيرها، وقد تكون قبله عسيرة على الإنسان، ورأس اليسر دخول الجنة التي الصيام أحد أبوابها.

ومن فوائد الصيام أنه يعود الإنسان على الصبر والتحمل والجَلَدَ وقوة الإرادة، ويشحذ العزيمة؛ لأن الصيام يحمله على ترك مألوفه، ومفارقة شهواته عن طواعية واختيار، وهو يعطي قوةً للعاصي الذي ألف المعاصي على تركها والابتعاد عنها، فهو يربيه تربية عملية على الصبر عنها ونسيانها حتى يتركها نهائيا، فمثَلا، المدخن الذي سيطرت عليه عادة التدخين وصعب عليه تركها يستطيع بواسطة الصيام ترك هذه العادة السيئة والمادة الخبيثة بكل سهولة، وكذلك سائر المعاصي.

عباد الله: الصيام له فوائد كثيرة، وحكم عظيمة، كتطهير النفس وتهذيبها وتزكيتها من الأخلاق السيئة، والصفات الذميمة كالأشر والبطر والبخل، وتعويدها الأخلاق الكريمة كالصبر والحلم والجود والكرم ومجاهدة النفس فيما يرضي الله، ويقرب لديه.

ومن فوائده أنه يعرف العبد بنفسه وحاجته وضعفه وفقره لربه، ويذكره بعظيم نعم الله عليه، فيوجب له ذلك شكر الله سبحانه، والاستعانة به، كما قال الله تعالى في آيات الصيام: (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة:185]، وهذا تذكير للصائم بنعم الله عليه إذ منحه القدرة على هذه العبادة التي ينال بها جزيل الثواب، في وقت حُرِمَ فيه آخرون منها.

ومن فوائد الصيام أنه وِجَاءٌ للصائم، ووسيلة لطهارته وعفافه، وما ذاك إلا لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والصوم يضيق تلك المجاري، ويذكر بالله وعظمته؛ فيضعف سلطان الشهوة، ويقوى سلطان الإيمان؛ ولذلك وجه الرسول من لا يجد القدرة على النكاح إلى الصيام، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ". فالصيام يكسر حدّة الشهوة، ويحمي من الانزلاق في الفواحش.

ومن فوائد الصيام أنه يربي الإنسان على ترك مألوفه وشهواته تقربًا إلى الله -سبحانه وتعالى-؛ ولهذا يقول الله جلّ وعلا في الحديث القدسي: "الصَّوْمُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِى".

فهذا فيه امتحان للصائم في أنه ترك شهوته وملذوذاته ومحبوباته تقربًا إلى الله -سبحانه وتعالى-، وآثر ما يحبه الله على ما تحبه نفسه، وهذا أبلغ أنواع التعبد، وهذا من أعظم فوائد الصيام.

ومن فوائد الصيام البركة، وأنه عمل مبارك يسهّل على الصائم فعل الطاعات، وذلك ظاهر من تسابق الصائمين إلى فعل الطاعات التي ربما كانوا يتكاسلون عنها وتثقل عليهم في غير وقت الصيام، قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدَىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:185]، فالقرآن مبارك، ونزوله في شهر الصيام يدل على بركة الصيام.

وكذلك مما يدل على بركة الصيام قوله تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) [القدر:3]. وليلة القدر لها بركة عظيمة جدا، كما وصفها الله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) [الدخان:3]، فالصيام مبارك، ويجلب للصائم البركة فيسارع إلى أعمال البر، ويكثر من الصالحات.

ومن فوائد الصيام أنه سبب لمغفرة الذنوب: فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أن النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". وعَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ" مسلم.

ومن فوائد الصيام أن الله جعله بابا من أبواب الجنة، وجعل له بابا من أبوابها، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لِلصَّائِمِينَ بَابٌ فِى الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ لاَ يَدْخُلُ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ، مَنْ دَخَلَ فِيهِ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا". وقال رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ". فالريّان باب في الجنة للصائم يدخل منه ولا يدخل منه غيره. وأولى الناس وأسعدهم بباب الريان المتطوعون بالصيام؛ لأنهم المكثرون منه.

ومن فوائد الصيام أنه يشفع للصائم، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِى فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِى فِيهِ. قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ". ومعرفة ذلك يحدث في قلب العبد محبة للطاعات، وبغضا للمعاصي، فيكون منطلقا إلى تصحيح مفاهيمه وسلوكه في الحياة.

ومن فوائد الصيام: أن الصوم طاعة لله تعالى، يثاب عليها المؤمن ثواباً مفتوحاً لا حدود له؛ لأنه لله سبحانه، وكرم الله واسع، والصيام عمل يحبه الله ويرضاه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي" مسلم.


الخطبة الثانية:

أما بعد: فإن الصيام من أنفع العبادات، وأعظمها آثارا في تطهير النفوس وتهذيب الأخلاق، وله فوائد عظيمة قد سبق بعضها، ومن أعظمها أنه سبب لزرع تقوى الله في القلوب، وكف الجوارح عن المحرمات، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:183]، فبين سبحانه في هذه الآية أنه شرع الصيام لعباده ليوفر لهم التقوى.

والتقوى كلمة جامعة لكل خصال الخير، وقد علق الله بالتقوى خيرات كثيرة، وثمرات عديدة، وكرر ذكرها في كتابه لأهميتها، وقد فسرها أهل العلم بأنها: فعل أوامر الله، وترك مناهيه؛ رجاء لثوابه وخوفا، من عقابه، وقوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ): (لعل) ترجٍ في حقهم، و(تتقون) تتركون المعاصي، فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قَلّتْ المعاصي، لأن الرسول قد وصف الصيام بأنه جُنة ووجاء.

ومن فوائد الصيام أنه سلامة من الحزن، وسبب حقيقي للفرح والسعادة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ" البخاري، فالصائم له فرحتان: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ بما أتم الله له من نعمة الصيام، وفرحة عظيمة يوم القيامة يوم لقاء ربه، ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58].

ومن فوائد الصيام أنه عمل طيب يربي على الأعمال الطيبات، والقول الطيب، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ". فهذه ريح خلوف الفم، فما ظنكم بالصيام؟!.

ومن فوائد الصيام إنه خير بما تعنيه هذه الكلمة، فالصوم خير لنا، وهو من أسباب فتح أبواب الخير، ويقربنا من كل خير كما قال الله تعالى: ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة:184].

فالصيام مدرسة تربوية خُلُقِية كبرى متعددة الجوانب، يتدرب فيها المؤمن كل حين، وعلى الأقل سنوياً في رمضان، على كثير من الخصال الحميدة، منها جهاد النفس، ومقاومة الأهواء، وخلق الصبر على ما قد يُحْرَم منه، وتدريبه على الأمانة، ومراقبة الله في ظاهره وباطنه، إذ لا رقيب على الصائم إلا الله، وكفى به رقيباً.

أيها المسلمون: مَن أراد هذه الفوائد وأكثر فعليه بحفظ صيامه من المعاصي، وخاصة ما انتشر بين الناس في هذه الأيام من مشاهدة الفساد وسماعه من خلال وسائل الاتصال الحديثة من قنوات فاسدة مفسدة، وغيرها.

واعلموا أن الله قال: "الصَّوْمَ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ"، فمَن صام صوما سالما من العيوب، ونظيفا من وسخ الذنوب ورجس الكبائر، فليبشر بهذا الفضل العظيم؛ لأنه صام عن الأكل والشرب، وحَرَّمَ ذلك على نفسه، فصامت عينه وأذنه ولسانه وجميع جوارحه عن المعصية، وهي أشد تحريما من الأكل والشرب في نهار الصيام، فسَلِمَ وغَنِمَ، وقدَّم صوما يُرضي الله، فنال أعظم جائزة من الكريم للطائعين، وهي "إِنَّ الصَّوْمَ لِى، وَأَنَا أَجْزِى بِهِ".