الخميس، 30 يوليو 2020

الفائزون

الحمد لله العلي الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، له ملك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، الملك الحق المبين الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وقد وسع كل شيء رحمة وعلما.

أحمده سبحانه، وبحمده يلهج أولو الأحلام 2 والنهى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عالم السر والنجوى. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى كلمة التقوى. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أئمة العلم والهدى، وسلم تسليما كثيرا.

 

الفائزون هم العارفون، وهم المقربون السابقون، وهؤلاء الذين لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين كما قال سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ  أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ  فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ      

فسبحان الله ماذا ينتظر هؤلاء من المساكن الواسعة، والقصور الفاخرة، وألوان الطعام والشراب، والنعيم المقيم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  

وهم متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم حسب معرفتهم بالله، وحسب أعمالهم الصالحة.

ويتفاوت الناس يوم القيامة في الدرجات والأحوال، والثواب والعقاب، بحسب الأعمال، وبحسب الإيمان  ، وبحسب الطاعات والمعاصي، ومن ذلك أن خِفَّة حِمْل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره، فإنه بحسب خفة وزره وثقله، إن خف خف، وإن ثقل ثقل.

وخشية الله والخوف منه تؤدي إلى طاعته والبعد عن الشر والشهوات وتربي الضمير وتؤدي بالإنسان إلى السلوك السليم. قال الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} وقال تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}

ومن يتق الله ويقل قولا سديدا فقد فاز فوزا عظيما قال الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  .

والفائزون ينتظرهم الفوز الكبير والأجر الآخر أكبر وأعظم وأدوم، ويحصل عليه المؤمنون في الآخرة وفي الجنة كما قال سبحانه:

{أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . أي الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار،

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ

إن المؤمنين عندهم الطاعة لله ورسوله:

في كل أمر .. وفي كل نهي .. وفي كل حكم .. وفي كل شأن.

وهي طاعة مصحوبة بخشية الله وتقواه، والتقوى أعم من الخشية، فهي مراقبة الله، والشعور به عند الصغيرة والكبيرة، والتحرج من إتيان ما يكره، توقيراً لذاته سبحانه، وإجلالاً له، وحياءً منه، إلى جانب الخوف والخشية.

وذلك أدب رفيع ينبئ عن مدى إشراق قلب المؤمن بنور الله، واتصاله به، وشعوره بهيبته، مما ينبئ عن عزة القلب المؤمن واستعلائه، وهذا حقيقة الصدق مع الله الذي بشر اهله بقوله  {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }

 

أَيا رَبِّ مِنّا الضَّعْفُ إنْ لَمْ تُقَوِّنا ... على شُكْرِ ما أَبْلَيْتَ مِنْكَ وأَوْلَيْتا

أيا رَبِّ نَحْنُ الْفائِزونَ غَدًا لَئِنْ ... تَوَلَّيْتَنا يا رَبِّ فيمَنْ تَوَلَّيْتا

اقول هذا واستغفر الله

الخطبة الثانية

من التزم بالأعمال التي تقربه من الجنة وتبعده عن النار فقد فاز وافلح كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

الفوز حين تبتعد وتجتنب صاحب السوء أين كان سواء أكان جهازا أو وسيلة تواصل أو إنسانا فتهجر السوء وصاحبه وتأخذ بطريق الفوز والفلاح والنجاة والسلامة استمع ما يقول صاحب السوء يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ  أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ  قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ  قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ  وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ  إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ

الفائز الحقيقي هو الذي يلتزم بطريق الذين انعم الله ويثبت عليه ويكون من التابعين لهم يإحسان وإيمان كما قال الله

وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

    اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ

 اللهم اصرف عنا السوء والفحشاء واجعلنا من عبادك المخلصين

اللَّهُمَّ طَهِّرْ قلوبنا مِنَ النِّفَاقِ، وَاعَمَالنا مِنَ الرِّيَاءِ، وَألِسَناتنا مِنَ الْكَذِبِ، وَاعَيْوننا مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ، وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.


خطبة عيد الأضحى

الحمد لله، الحمد لله الذي لا يبلغُ مِدحَتَه القائلون، ولا يُحصِي نعماءَه العادُّون ، ولا يُؤدِّي حقَّه المُجتهِدون، المعلومِ من غير رؤية، والخالقِ بلا حاجة، والمُميت بلا مخافة، والباعثِ بلا مشقَّة، خلقَ الخلائقَ بقدرته وحكمته، ونشرَ الرياحَ بُشرًا بين يدي رحمته، مُبدئِ الخلق ووارثِه، وباسطٍ فيهم بالجُودِ يدَه، كتبَ على نفسه لعباده المؤمنين الرحمة، وسبقَ عفوُه عقابَه وحلمُه غضبَه، لا يخفى عليه مثقالُ ذرَّةٍ في الأرض ولا في السماء، لا تُدرِكُه الأبصار وهو يُدرِكُ الأبصار وهو اللطيفُ الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله البشيرُ النذير، والسراجُ المُنير، خيرُ من صلَّى لله وقام وحجَّ البيت الحرام وصام {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، ما تركَ خيرًا إلا دلَّنا عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرَنا منه، فصلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى الصحابة والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد

 

ما هو أكبر جمع التقى بهم رسول الله وما أكثر حشد اجتمعوا حوله وماذا قال لهم ومن بعدهم ولنا معهم ؟

هيا بنا سريعا عبر فضاء التاريخ

 

  

وقد اعلن الرسول إن أمر الجاهلية مرفوض وموضوع ومن ذلك الأعياد البدعية وإن الأعياد الشرعية الإيمانية الإسلامية هما عيدان لا ثالث لهما عيد الفطر بعد صيام رمضان وعيد الأضحى المتزامن مع حج بيت الله الحرام

قال الله {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}

وقال الله تعالى

الله أكبرالله أكبر

الخطبة الثانية

خطب نبينا ﷺ يوم عرفة

وأمر فيها بالعدل وبين أن الإسلام ساوى بين المسلمين ولا فرق بينهم إلا بالتقوى .

ووضع أمور الجاهلية وكل ما يتعلق بالجاهلية من فساد وظلم وبدع وعادات تحت قدمه .

وأكد على حق الرجل على المرأة

وحق المسلم على أخيه المسلم

وذكر فيها نبينا ﷺ علاقة المسلم بنفسه: عندما حذر من الشيطان وأوصانا بمجاهدته، وذكر علاقة المسلم بربه: عندما تحدث عن لقاء الله وأن الله سيسأل كل إنسان عن عمله، وذكر علاقة المسلم بمجتمعه الصغير: "الأسرة" عندما ذكر حقوق النساء، وأوصى بهن خيراً، وذكر علاقة المسلم بمجتمعه الكبير: عندما قرر حرمة الدماء والأموال والأعراض وأمر بأداء الأمانة، وذكر علاقة المسلم بمجتمعه الأكبر: عندما قرر الإخوة الإيمانية التي تنتظمها العقيدة؛ لتكوِّن الرابطة العليا في الأمة ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)

عباد الله : لقد بُني الدين الإسلامي القويم على قواعد متينة وأسس راسخة

وأهداف واضحة، تحفظ حقوق الإنسان الدنيوية، وتطالبه بالحقوق الإلهية.  

وعلموا َإنَّ خَيْرَ الحَديثِ كِتَابُ الله، وَخَيرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -وَإِنَّكُمْ سَتُحَدِّثُونَ وَيُحَدَّثُ لَكُمْ

الله أكبر الله اكبر

اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا

رَبَّنَا أَصْلِحْ ذات بَيْنَنَا، وَاهْدِنَا سَبِيلَ الْإِسْلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَاصْرِفْ عَنَّا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهْرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثْنِينَ بِهَا، قَائِلِينَ بِهَا، وَأَتْمِمْهَا عَلَيْنَا

 

 

 


الخميس، 2 يوليو 2020

واعظ الحر ، قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون


 واعظ الحر
الحر من المواعظ المحسوسة الملموسة التي يعظ الله بها عباده كل سنة وما أكثر مواعظ الله وما أقل المتعظون.
في مثل هذه الأيام الحارة خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى غزوة تبوك وكانت فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا
فتواصى المنافقون فيما بينهم بعدم النفير في هذا الحر (وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرّ )، فجاء الوعيد من الله (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ).
خرج رسول الله وصحابته والجو -كما تعلمون- حار والصحراء قاحلة والمياه نادرة والهواء ساخن  ولكنهم تذكروا حر الأخرة وأهوالها فهان عليهم تحمل مشاق الطاعة ونصرة الدين وآثروا النعيم المقيم على سراب النعيم الزائل.
وكانوا لنا قدوة ومدرسة في التضحية والصبر والثبات والمسارعة إلى رضوان الله .
أيها الأخوة المؤمنون: إنّ شدة الحرّ ينبغي أن تذكر المؤمن بحر ذلك اليوم العظيم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَدْنُو الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ  مِيلٍ، وَيُزَادُ فِي حَرِّهَا كَذَا وَكَذَا يَغْلِي مِنْهَا الْهَامُّ  كَمَا تَغْلِي الْقُدُورُ يَعْرَقُونَ فِيهَا عَلَى قَدْرِ خَطَايَاهُمْ مِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى وَسَطِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ »
فيا من لا يطيق حرارة الجو، يا من لا يتحمّل الوقوف في الشمس ساعة: كيف تعصي الله وتنسى النار وحرَّها الشديد، وقعرها البعيد، جاء في الحديث: “يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، أي يغمس فيها غمسة  ثُمَّ يُقَالُ: يَابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ. ما مرَّ بي نعيم قط“؛  .
أيها الإخوة: حرارة الجو قد تكون سبيلاً لتحصيل المزيد من الأجر والحسنات، في خروج للصلاة في هذا الشمس الملتهبة، وفي صيام في هذا الحر اللافح.
 خرج ابن عمر في سفر معه أصحابه، فوضعوا سفرة لهم، فمر بهم راع، فدعوه إلى أن يأكل معهم، فقال: إني صائم، فقال ابن عمر: في مثل هذا اليومِ الشديدِ حرُه وأنت بين هذه الشعابِ في آثارِ هذه الغنمِ وأنت صائم؟! فقال: أُبَادِرُ أَيَّامِيَ الْخَالِيَةَ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ...الاية

الخطبة الثانية
 {قُلْ نَارَ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} مِنْ نَارِ الدُّنْيَا {لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ لَعَلِمُوا أَنَّ نَارَ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا مِنْ نَارِ الدُّنْيَا
إنهم اعتذروا عن معصيتهم لله ورسوله بالحر وما يجدوا من شدته وإن اتباع الرسول في الحر أمر عسير عليهم وغير يسير ولكن هل قبل الله منهم هذا العذر ؟ إن الله قد اعد لهم نار جهنم.
عباد الله .. إن نار الدنيا أشد من الحر وإن نار جهنم أشد من نار الدنيا بسبعين مرة .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ بَنُو آدَمَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ، قَالُوا: وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا".
{قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} لمَّا آثروا ما يفنى على ما يبقى، ولمَّا فروا من المشقة الخفيفة المنقضية، إلى المشقة الشديدة الدائمة لأنهم
(قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ } وهذا حال بعض الناس لا فقه لهم ولو كان عندهم فقه نافع في تنزيل الأشياء منازلها، وتقديم ما ينبغي تقديمه لآثروا مشقة رضا الله  على راحة القعود عن الطاعة والكسل الضار عاجلا وآجلا والتقاعس عما يرضي الله
إن الذي يبرر لنفسه مخالفة أمر الله ورسوله هو في الحقيقة لا عقل له فإن العاقل لا يخدع نفسه بسرور زائل وراحة فانية ومتعة لحظية ليوبق نفسه ويوقعها في ندامة باقية ومشقة دائمة وحسرة مستمرة وعذاب خالد.   {وقالوا لاتنفروا في الحر قل نارجهنم أشد حرا}  اختلاق الاعذار لترك الواجبات أو ارتكاب المنهيات لن يدفع عن الانسان سخط الله وعقابه.  فبادروا الى ما ينجيكم قبل أن تغادروا بما يرديكم

الخميس، 11 يونيو 2020

خطبة جمعة مختصرة ( ففروا إلى الله) الفرار الى الله


الحمد لله العلي العظيم القادر، هو الأول والآخر، والباطن والظاهر، عالم الغيب والشهادة المطلع على السرائر والضمائر. خلق فقدر، ودبّر فيسّر، فكل عبد إلى ما قدره عليه وقضاه صائر. أحمده سبحانه على خفيّ لطفه، وجزيل بره المتظاهر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ولد ولا مظاهر. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صاحب الآيات والمعجزات والبصائر. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن على سبيله إلى الله سائر، وسلم تسليما كثيرا.
 أما بعد، فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعملوا ليوم تنكشف فيه السرائر، وتظهر فيه مخبآت الصدور والضمائر، وتدور فيه على المجرمين الدوائر، وتحصى فيه الصغائر والكبائر. يرفع فيه لواء الخزي لكل ناكث للعهد غادر.
تنصب فيه موازين الأعمال وتنشر الصحائف، فكل عبد إلى ما قدمه لنفسه صائر. فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، يا خيبة الظالم والفاجر! ويا سعادة من استجاب لله ورسوله من ذوي الإيمان والبصائر!
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقواه أنفع الوسائل والذخائر، ولا تكونوا كالذين بدلوا نعمة الله كفرا، ولم يلتفتوا إلى ما أمامهم من الموارد والمصادر. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}

الخطبة الثانية
{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}
فَفِرُّوا -أيها الناس- من عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به وبرسوله، واتباع أمره والعمل بطاعته، وترك  معصيته التي هي سبب عقابه إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ.إني لكم نذير بيِّن الإنذار ومخوفٌ عقابَه من عصاه. وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر، فزع إلى الصلاة، وهذا من الفرار إلى الله.
{ففروا إِلَى الله }  واهربوا من عذاب الله إلى الله بالإعمال الصالحات.
{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} والْجَئُوا إِلَيْهِ، وَاعْتَمِدُوا فِي أُمُورِكُمْ عَلَيْهِ، ومن توكل على الله  كفاه  {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ }.. ومن اتقى الله وقاه  {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}

الأربعاء، 4 مارس 2020

خطبة جمعة عن فيروس كورونا

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً).
أما بعد: موقف المسلم من مرض كورونا الذي هو حديث الناس اليوم, وشاغل مجالسهم,  أناس يحذرون منه, وآخرون يقللون من قيمته, وفئة ثالثة تنسج حوله الإشاعات والأراجيف .  
فيا أيها الناس: كم نرى من الأصحاء يموتون بغير مرض ولكن أكثر الناس  لا يعلم أنه يسير إلى الموت ويهرب منه إليه ، وما علم أنه يقترب منه ولا يبتعد عنه: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) فلا تشتغل بالموت والخوف منه، فليس أمره إليك، ولكن اشتغل بالعمل النافع قبل هجوم الموت: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً).
  عباد الله: مهما تعددت الطرق للموت، وتنوعت الأسباب، إلا أن الموت واحد، ووقته لا يتغير.
 من لم يمت بالسيف مات بغيره * تعددت الأسباب والموت واحد
 وخير من ذلك قوله تعالى: (فإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ).

 معاشر المؤمنين: فليحذر المسلم من أن يصيبه الهلع والوسواس  بسبب ضعف التوكل على الله، فمن علم أن القدر مكتوب، وأنه لا يكون شيء إلا بأمر الله، وأن ما قدّره الله كائن لا محالة، متى استقرت هذا في القلب، وأيقن به صاحبه، اطمأن قلبه، وزال همه وخوفه من الأقدار، وانزاحت عنه الوساوس والأوهام، لذا كان لزامًا علينا جميعًا أن نغرس التوكل في قلوبنا غرسًا، ونسقيه بكلام الله وسنة رسوله لننعم بالحياة المطمئنة
وعلينا أن نعلم بحقائق تجعلنا أكثر طمأنينة وراحة .. منها.

 أولا: الأمراض كلها بقدر الله، فلن يصاب أحد إلا بما كتبه الله عليه، فلم الجزع والخوف؟! قال -صلى الله عليه وسلم-: “واعلم أنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ”.

 ثانيا: مرض كورونا كبقية الأمراض التي مرّت بالناس من قبله  ، فالواجب أن نستفيد مما مضى، وأن لا نكون ألعوبة في أيدي تجار العقاقير، فما يموت في الحوادث أكثر ممن يموت بالأمراض، فلماذا الهلع من الأمراض؟!
ومن انتهى أجله مات بالكورونا أو بغيره
ثالثا: لا شك أن لهذا المرض علاجًا -بإذن الله تعالى-, جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما أنزل اللهُ من داءٍ, إلَّا أنزل معه دواءً, علِمه من علِمه, وجهِله من جهِله, إلَّا السَّامَ؛ قيل: يا رسولَ اللهِ: وما السَّامُ؟! قال: الموْتُ".قد يكون البشر لم يتوصلوا بعدُ  لعلاج لهذا المرض, ولكن لبحثوا فإن لكل داء دواء .وليتأكد من أصيب بذلك المرض أن نسبة شفائه منه كبيرة جدًا, فإن نسبة المتعافين من المرض هي الأكبر ولله الحمد والمنة.
.
إخوة الإيمان  ما هي أسباب الوقاية من هذا المرض وغيره من الأمراض المعدية ؟
هناك أسباب وقاية  مادية وهناك أسباب وقاية شرعية  
فيجب علينا الأخذ بهذه الأسباب كلها دون الاقتصار على سبب دون الاخر
 الوقاية المادية ومنها
 على المريض عدم مخالطة الأشخاص الأصحاء قدر الإمكان، وهو مقتضى حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ
الأخذ بنصائح أهل الشأن والخبرة في هذا الشأن وهم الأطباء
أما سبل الوقاية الشرعية : فمنها  التحصن بذكر الله -تبارك وتعالى-, فيحرص الإنسان على أذكار الصباح والمساء فهي خير حافظ من الله للعبد فقد جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَن قال حينَ يُصْبِحُ وحينَ يُمْسي: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شرِّ ما خلَق لم يضُرَّه شيءٌ.
ومَنْ نَزَلَ مَنْزِلا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ
فهذه وصية نبينا صلى الله عليه وسلم لكل من نزل منزلا سواء كان في الخلاء أو في بيت أو في العمل ".
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم "ما من عبدٍ يقولُ في صباحِ كلِّ يومٍ ومساءِ كلِّ ليلةٍ: بسمِ اللَّهِ الَّذي لا يضرُّ معَ اسمِهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ وَهوَ السَّميعُ العليمُ، ثلاثَ مرَّاتٍ، إلا لم يضرَّهُ شيءٌ
ومن أسباب الوقاية الشرعية : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أكل سبعَ تمْراتٍ حين يصبح، لم يضرّه في ذلك شيءٌ حتى يُمسيَ". قال الراوي: وأظنُّه قال: "وإن أكلَها حين يُمسي، لم يضرُّهُ شيءٌ حتى يُصبحَ", وقد ذكر جمع من أهل العلم أنه إذا لم يتوفر تمر العجوة فإن غيره من أنواع التمور تقوم مقامه.
وقال  (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه) ، أي كفتاه من كل آفة وشر
ومن الوقاية الشرعية الحذر من التسرع في نشر الأخبار, وإشاعة الإشاعات, ونقل الرسائل دون التثبت من صحتها, فكثير من تلك الرسائل والأخبار كذب محض لا أصل له
ومن الوقاية الشرعية الاعتصام بالله والتوكل عليه وتفويض الأمر إليه والرضا بقضائه فلنتوكل على الله، فمن توكّل على الله كفاه، ولنعمل بالأسباب والاحتياطات من غير مبالغة ولا ركون للأسباب، ولنعلم أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، وأن انتشار الفواحش يسبب الأمراض التي لم تعرف من قبل، فما دفع البلاء بمثل التوبة والاستغفار، وكثرة الطاعات، والدعاء.
والله يقدر مثل هذه الأمراض ليري الناس علامات قدرته وقوته ومن حكمة   ذلك لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا وَإِمَامِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.أَمَّا بَعْدُ:
 أيها المؤمنون : من أهم أسباب الوقاية اجتناب المعاصي والتوبة منها لأن الله أخبرنا أن هذه الأمراض والحوادث المؤلمة والموذية للأنسان تقع بسبب معصية الإنسان .
قال الله -تبارك وتعالى-  : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
 فتكون عقوبة ليرتدع الباغي عن بغيه, ويفيق الغاوي من غيه, وينال العاصي جزاء عصيانه.وقد تكون هذه الأمراض والأسقام ابتلاءً من الله -تبارك وتعالى- لعباده المؤمنين؛ ليزيد في درجاتهم ويمحصهم:  

 معاشر المسلمين:
كورونا ركب الطائرات بلا تذاكر. وتجاوز نقاط التفتيش بلا استئذان .ودخل الدول بلا جوازات .وعبر القارات مع شدة تدابير المنظمات .ذلك ليعلم العالم أن أمر الله نافذ واذا أراد الله شيئا فلا مرد له
ونحن أمام هذا المرض الذي أخاف الدول والمنظمات الصحية والأفراد ، والعالم عاجز أمام مخلوق صغيرمتناهي في الصغر ولكن هز العالم
 نعم عجز البشر مع تقدم علمهم أمام عظمة الله وقدرته وتلاشت الماديات ولا  يرتكن إليها فهي لا شيء امام قوة الله فهذا كورونا مثال واحد صغير حقير يثبت لنا شدة فقر الإنسان إلى الله تعالى وشدة جهله به ويقول  أيها الإنسان انك جاهل مهما بلغت من العلوم المادية
أيها الإنسان انك ضعيف مهما تمكنت من القدرات والقوة
أيها الإنسان انك عاجز فقير أيها الإنسان اعرف قدرك
فليحذر المسلم من الاعتماد على  الأسباب  المادية الحسية دون التوكل على الله فإن من ركن إلى غير الله أشرك ومن اتقى الله وقاه ومن توكل على الله كفاه ومن عصاه اذله ومن اطاعه اعزه
اللهم ارفع عنا الوبا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن..

الأحد، 16 فبراير 2020

عجز العقل عن وضع دين متكامل

عجز العقل عن وضع دين متكامل

ولهذا لم يحدث في التأريخ أن أحداً من العقلاء والعباقرة والفلاسفة والحكماء تمكن بعقله المجرد من وضع دين متكامل صالح لأن يتعبد به الناس ويسيروا على منهاجه. إن كل دين محترم وجد على الأرض فهو من وضع الإله لأن العقل عاجز بذاته عن أداء هذه المهمة. وما وضعه الإنسان من أديان كالبوذية والمجوسية والكونفوشيوسية فهي أديان ناقصة متناقضة مضحكة تهين العقل الإنساني وتحط منه، على عكس الأديان السماوية. وما تجده من تناقض ونقص وخلل في هذه الأديان كاليهودية والنصرانية والطوائف الدينية الإسلامية المنحرفة فبسبب تدخل العقل في ما لا يحل له من هذه الأديان لأنه تدخل في غير مجاله مما عاد بالسلب على الدين والعقل: فالعنصرية اليهودية مثلا، والتثليث النصراني والعصمة اللاهوتية الإمامية هي إفرازات عقلية وليست مبادئ سماوية. هذه الإفرازات هي التي دمرت الدين الواحد وفرقت أهله شيعاً وأحزابا. ولولا تدخل الإنسان بعقله في الدين لظل الدين واحدا ثابتا، ولكفى الناس والأجيال جميعا نبي واحد ولم يحتاجوا إلى تعدد الأنبياء.
ولذلك كانت مهمة كل نبي هي إعادة الناس إلى أصل الدين عن طريق الوحي وإزالة اثار تدخلات البشر بعقولهم المحدودة، وسر ختم النبوة هو حفظ الوحي (القرآن): فحين حكم الرب بحفظ الوحي ختم النبوة.
فتدخل العقل يتناقض مع سر ختم النبوة بل مع أصل بعثة الأنبياء. إن مهمة كل مجدد (الذي يمثل دور الأنبياء قبل الإسلام) إعادة الناس إلى الوحي وإخراجهم من حمأة التدخل البشري في أصول الدين عن طريق عقولهم القاصرة المحددة المتناقضة.
النظرية الإمامية في الأصول باب من أبواب الكفر
إن القول بأن النظر العقلي هو الأساس في إثبات الأصول، وأما النصوص الدينية فدورها يقتصر على التأييد والتبعية -هذا القول ما هو إلا باب من أبواب الكفر. بل هو الكفر بعينه! لأنه إلغاء لدور النبوة، وتعطيل لأثرها في الدين والحياة: فإذا كانت أصول الدين تؤخذ عن طريق النظر العقلي، وليس عن طريق النصوص الدينية أولاً،  فلا حاجة إلى بعثة الأنبياء!
وكذلك فإنه إلغاء لدور القرآن العظيم الذي أنزله الله تعالى هدى للناس أجمعين وحكماً بينهم إلى يوم الدين، وحصره في زاوية ضيقة يتساوى فيها - وهو كلمة الله العليا! - مع كلام البشر. هذه الزاوية هي الفرعيات. أما الأصول فتقوم على نظر الإنسان وعقله. وما النصوص الدينية - كلمة الله ! - سوى تابع لا يقدر على الاستقلال بنفسه،
يؤيد ما جاء عن غيره. وإلا فلا اعتبار لقوله!
فما قيمة القرآن إذا كان تابعاً لنظر الإنسان؟!! وعلام هذا الاهتمام العظيم الذي أولاه الرب جل وعلا لكتابه. من التعهد بحفظه، واعتناء نبيه - صلى الله عليه وسلم - -ومن أول يوم نزل فيه- بكتابته دون غيره؟! أمن أجل أن يكون مرجعاً في الفرعيات! وأما الأصول فلا شأن له بها؟!
أليس هذا قلباً للدين، ونقضاً لما جاء من حقائق في الكتاب المبين؟!!
اقرأ مثلاً قوله تعالى:
{ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تذَكَّرُونَ } (الأعراف:3).
{ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } (الأنعام:106).
{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } (البقرة:213).
{ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } (النجم: من الآية:23).
{ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } (الجاثية:9- 10).

موسوعة الرد على الرافضة

السبت، 28 ديسمبر 2019

أقوال أهل العلم في النهي عن مشاركة الكفار أعيادهم

 أقوال السلف، وأهل العلم في حكم الاحتفال بعيد رأس السنة ( الكريسماس ) أو #الكريسمس 



قال ابن حجر الهيتمي الشافعي :

من أقبح البدع موافقة المسلمين النصارى في أعيادهم، بالتشبه بأكلهم، وتهنئتهم، والهدية لهم، وقبول هديتهم فيه.

[ الفتاوى الفقهية الكبرى (4/238) ]

وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم .

[ ابن القيم - أحكام أهل الذمة (1/234) ]

 يقول عطاء بن أبي رباح -رحمه الله -:

اجتنبوا أعداء الله في أعيادهم ؛
    *فإن السخطة تنزل عليهم*

[ الأدب؛ لابن أبي شيبة (1/23) ]


ومن فعل شيئاً من ذلك (أي الكريسمس) فهو آثم سواء فعله مجاملة أو تودداً أو حياءً أو لغير ذلك من الأسباب ؛ لأنه من المداهنة في دين الله، ومن أسبـاب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بِدينهم .

 [ ابن عثيمين - مجموع الفتاوى (3/44) ]

 المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة؛ فإنه إذا أشبه الهدي الهدي، أشبه القلب القلب.

[ ابن القيم - إغاثةاللهفان (1/364) ]

ﻗﺎﻝ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮﻭ ابن العاص -ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ-: 

ﻣﻦ مر ﺑﺒﻼ‌ﺩ ﺍﻷ‌ﻋﺎﺟﻢ ﻓﺼﻨﻊ ﻧﻴﺮﻭﺯﻫﻢ ﻭﻣﻬﺮﺟﺎﻧﻬﻢ، ﻭﺗﺸﺒﻪ ﺑﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﻳﻤﻮﺕ ـ ﻭﻫﻮ ﻛﺬﻟﻚ ـ حُشر ﻣﻌﻬﻢ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎﻣﺔ.

 [ ابن القيم - ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺬمة (2/240) ]

قال الإمام الدَّمِيري الشافعي رحمه الله :


يُعزّر من وافق الكفار في أعيادهم.

[ النجم الوهاج في شرح المنهاج (9/244) ]
 

لا يجوز الاحتفال بعيد الكريسمس، ولا غيره من أعياد الكفار، ولا مشاركة أهله في احتفالهم، ولا تهنئتهم به.

[ ابن باز - مجموع الفتاوى (9/329)  ]

 قال البهوتي الحنبلي رحمه الله :

ويحرم شهود عيد اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار لما في ذلك من تعظيمهم، فيشبه بداءتهم بالسلام، ويحرم كل ما فيه تخصيص؛ كعيدهم وتمييز لهم، وهو من التشبه بهم والتشبه بهم منهي عنه إجماعا، وتجب عقوبة فاعله.

[ كشف القناع عن متن الإقناع (3/131) ]

 إذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار في المكان الذي حلّ بهم فيه العذاب، فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها.

[ ابن تيمية - الاقتضاء (1/267) ]

 مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم، بما هم عليه من ‎الباطل.*

[ ابن تيمية - الاقتضاء (1/546) ]. 

ﺍﻟﻤﺸﺎﺑﻬﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ ﺗﻮﺭﺙ ﻧﻮﻉ ﻣﻮﺩﺓ ﻭﻣﺤﺒﺔ، ﻭﻣﻮﺍﻻ‌ﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺎﻃﻦ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺎﻃﻦ ﺗﻮﺭﺙ ﺍﻟﻤﺸﺎﺑﻬﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ، ﻭﻫﺬﺍ ﺃﻣﺮ ﻳﺸﻬﺪ ﺑﻪ ﺍﻟﺤﺲ ﻭﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ.

[ ابن تيمية - الاقتضاء (1/549) ]

ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﺍﻟﻘﺎﺳﻢ ﺍﻟﻄﺒﺮﻱ ﺍﻟﻔﻘﻴﻪ ﺍﻟﺸَّﺎﻓﻌﻲ: 

ﻭﻻ‌ ﻳﺠﻮﺯ ﻟﻠﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﺃﻥ ﻳﺤﻀﺮﻭﺍ ﺃﻋﻴﺎﺩﻫﻢ؛ ﻷ‌ﻧﻬﻢ ﻋﻠﻰ منكر وزور، ﻭﺇﺫﺍ ﺧﺎﻟﻂ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻤﻨﻜﺮ ﺑﻐﻴﺮ ﺍﻹ‌ﻧﻜﺎﺭ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻛﺎﻟﺮﺍﺿﻴﻦ ﺑﻪ، ﺍﻟﻤﺆﺛﺮﻳﻦ ﻟﻪ؛ ﻓﻨﺨﺸﻰ ﻣﻦ ﻧﺰﻭﻝ ﺳﺨﻂ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﺎﻋﺘﻬﻢ، ﻓﻴﻌﻢ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ، ﻧﻌﻮﺫ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺳﺨﻄﻪ.

[ ابن القيم - ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺬﻣﺔ (3/239) ]

‏كان معاذ بن جبل يقول في النصارى:

 «لا ترحموهم، فلقد سَبُّوا الله مَسَبَّةً ما سَبَّه إياها أحدٌ من البشر».

الخميس، 26 ديسمبر 2019

أهمية الاعتبار (فاعتبروا يا أولي الأبصار) (إن في ذلك لعبرة )


.الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، سبحانه وبحمده جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله؛ بعثه بالحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ .
أما بعد   الاعتبار :
عباد الله: لقد دعانا ربنا -تبارك وتعالى- في كثير من الآيات في كتابه الكريم إلى الاعتبار والنظر، والتأمل والتفكر، والاتعاظ والتدبر، والنظر في حقائق الأشياء، والتعرف على مدلولاتها، حتى نتعرف على الخالق -جل وعلا- من خلال تلك الآيات والعظات.
وهذا يبين اهمية الاعتبار فهو مدرسة من انفع وابلغ مدارس الحياة
وإذا تأملنا في آيات القرآن الواردة في الاعتبار؛ نجد أن الله قد حدثنا عن الاعتبار بمعان متعددة ودلالات متنوعة، فمرة يدعونا إلى الاعتبار بما نراه ونشاهده من حولنا، كما قال تعالى: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) [النور: 44]، ومرة يدعونا للاعتبار بنعمه التي انعم بها علينا فيقول: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) والاعتبار بالنعم قبل الانتفاع بها لأنه يمنع من بطر.

كما دعانا في آيات أخرى إلى الاعتبار بالمرويات التي تروى والقصص التي تنقل إلينا، فقال: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .
 ويقول -جل وعلا- بعدما ذكر قصة فرعون وختم القصة بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [النازعات: 26]، وخاطب المسلمين بعد غزوة بني النضير بقوله: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2] حتى يعتبروا بما حصل لليهود في تلك الغزوة عندما أصروا على الكفر والعناد ونقض العهود.

أيها المسلمون: إن القرآن العظيم مليء بالآيات التي تدعو إلى الاعتبار بما حصل للأمم السالفة، والاتعاظ بما وقع لهم عندما طغوا وكفروا واستمروا في العصيان، فدمرهم الله شر تدمير، وجعلهم أثراً بعد عين, فيدعونا ربنا الرحمن الرحيم -جل وعلا- إلى أن نتعظ بهم، ونجعلهم عبرة لنا، فإن السعيد من اعتبر بغيره، كما قال -سبحانه وتعالى-: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى)
ويقول: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 46]، وقال: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .

أيها الناس، اعلموا أن الله تعالى خلق للإنسان عقلاً يعقله عن المكروهات، ويطلقه في طلب المحبوبات، ويقرأ به عِبَر الزمان، وحوادث الأيام؛ ليفيد منها دروسًا نافعة في الحياة.

فمن كان أوفى عقلاً كان أكثر اعتباراً بما ينفعه في العاجل والآجل، فأسرع -بعد اتعاظه- إلى الاقتداء بصالح التجارب، والانزجار عن سيئها. فالاعتبار بالعِبَر، والاتعاظ بالغِيَر من نتائج العقول الكاملة، والألباب الصافية.
ولذلك فإن الله تعالى حينما يذكر في كتابه الكريم مواضع العبر والعظات كالقِصص القرآني يختم ذلك ببيان أن المستفيد من تلك الآيات البينات هم أولو الألباب الذين أناروها بالتفكر، فربحوا بذلك الاعتبار الذي يحجز العاصي عن عصيانه، ويدفع المبطئ عن إبطائه في طاعة ربه.
فمن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ....   و قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ...........، وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴾ ........... وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ ............... وقوله: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ .
  قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه السعيد من اتعظ بغيره
وقال الشاعر:
اقرأ التاريخَ إذ فيه العبرْ ♦♦♦ ضلّ قوم ليس يدرون الخبرْ
.
أيها المسلمون، إن من موارد العبرة ومجالات الاعتبار : الواقعَ الذي يعيش فيه الإنسان، ففيه عبرة لمن أراد الاعتبار.
وذلك آت من النظر والتأمل في ماضي الإنسان، وسنوات عمره السالفة؛ فإنه كلما امتد به الزمان، وتعاقبت عليه أحداث الأيام، فإن كان عاقلاً فسيأخذ من زمانه الفائت دروسًا لزمانه القادم...
ولا حكيم إلا ذو تجربة، كما قيل.

وكما يأتيه الاعتبار من واقعه هو، يأتيه كذلك من واقع الآخرين وما جرى لهم من أحداث ومواقف.

عباد الله، إن السادرين في غيهم، الذين لم يعتبروا بالعِبر، ولم يتعظوا بالغِير، سيؤدبهم الزمان القريب أو البعيد لا محالة، فالمنافقون لم تؤدبهم المصائب والفضائح في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [التوبة:126]. واهل النار لم يدّكروا بما جرى لأسلافهم، ولكن يوم القيامة يحضرهم الاعتبار في غير مكانه وزمانه، كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك:10-11].

فطوبى لأهل الاعتبار الذين ظفروا بالربح والسلامة، وسلموا من الخسران والندامة، قال الله ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ 

لقد غفلنا اليوم في عالم الماديات وعصر التكنولوجيا والمحسوسات عن الاعتبار بمن مضى، بل والاعتبار بما نرى ونشاهد، فكم نرى من آيات، وكم نشاهد من عبر ودلالات، ولكننا لا نعتبر ولا نستفيد، وكأن الله -سبحانه وتعالى- لم يدعُنا إلى الاتعاظ والاعتبار في كتابه العظيم.

لقد نسينا اليوم قصص الغابرين التي قصها الله علينا في كتابه العظيم، وغفلنا عن صور العذاب وألوان العقاب الذي أنزله على أولئك الأقوام حينما طغوا في البلاد, وأكثروا فيها الفساد.

 ان المسلم اليوم وفي هذا العصر في أمس الحاجة إلى التذكير بهذا الموضوع المهم موضوع الاعتبار والادكار، فإن الله -جل وعلا- ما كرر الآيات التي تدعو إلى الاعتبار والتذكر إلا من أجل أن يذكرنا بهذا الموضوع الهام، حتى لا ننساه أو نغفل عنه.

إننا نعيش اليوم في زمن طغت فيه الماديات، وانتشر فيه الشر بكل أشكاله وأنواعه، وتلونت فيه المعاصي وتعددت، وراجت واستفحلت، وألفها الناس حتى صارت جزءً لا يتجزأ من حياتهم وواقعهم.

ثم استحكمت الغفلة في النفوس ، وابتعدنا عن تدبر القرآن وسماع المواعظ التي تذكرنا بقصص الأمم التي سبقتنا ولم نعتبر بها، ولم نتأملها، أليس حرياً بنا أن ننظر في الآيات والعبر التي نراها في واقعنا، ونشاهدها كل يوم ؟.

ألسنا نرى الأخبار، ونسمع الأحوال، ونشاهد الأحداث التي تقع في الدنيا بالصوت والصورة؟ فلماذا لا نتعظ بها؟ ولا نعتبر بالأحداث الكونية العظام التي تحدث دائماً في هذا الكون الفسيح.

كل يوم نسمع عن إعصار، أو زلزال، أو دمار، أو فيضان، أو سيول عارمة،   أو رياح عاتية، أو أمراض غريبة، أو أوبئة مهلكة، ولكن أين من يعتبر بها؟ وأين من ينظر إليها بعين الاعتبار؟.

نذر وآيات، عقوبات وتخويفات ولكن من يعتبر؟ وأين من يتعظ؟ 
أليست هذه آيات ونذر يجب علينا أن نعتبر بها، ونتفكر فيها، ونتأمل في حال أهلها، ونتعظ بما حصل لهم، قبل أن يقع لنا ما وقع لهم؟ فإنه لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ).


الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وأصلي وأسلم على من نطق بكمال الصدق، وأرشد إلى سُبل الحق، فأدى الأمانة وبلغ الرسالة، ونصح الأمة وكشف الله به الغمة -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام-.

عباد الله: يموج العالم من حولنا موج البحر، وتحدث فيه من المتغيرات ما يحتاج منا إلى أن نتفكر فيه ونعتبر، فإنما هي تنبيهات ودلالات يحدثها الله للاتعاظ والاعتبار، (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) [الإسراء: 59]، (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) [فاطر: 44].
أيها الناس: إن الاتعاظ وأخذ العبرة لا يقتصر على أخذها من الآيات الكونية فقط، وإنما أيضاً يجب أن نأخذ العبر من الآيات الشرعية، فالقرآن الكريم بقصصه، ومعجزاته، ودلالاته، وأحكامه، مليء بالعبر والمواعظ، وما أنزل الله القرآن إلا موعظة وذكرى للناس؛ ليعتبروا بما فيه، ويتعظوا بآياته، وإشاراته، ومعانيه، يقول الله -سبحانه وتعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 57].

فمن لم يعتبر بهذه الآيات، ولم تؤثر فيه تلك العبر ، فإن الله -جل وعلا- يرسل على من لم يعتبر ما هو أشد وأعظم، وكل آية تكون أشد وأكبر من سابقتها، حتى يصحو ويعتبر، فإن لم يصحو ويعتبر جاء الدمار الكامل والعذاب الشامل على من أعرض ولم يعتبر، يقول الله -سبحانه وتعالى-: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) .... ويقول: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).

فما أكثر الشواهد، وما أكثر العبر، وما أكثر المواعظ، ولكن تحتاج فقط منا إلى أن نعتبر، ونتأمل بعقولنا وتفكيرنا، وننظر ببصرنا وبصيرتنا، حتى تؤثر فينا هذه العبر، وتحرك الران الذي في قلوبنا، وتغير أحوالنا، وتصلح ما فسد فينا، فالسعيد من اعتبر بغيره، والشقي من كان عبرة لغيره، يقول عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “المؤمن إِنْ سَكَتَ تَفَكَّر, وَإِنْ تَكَلَّمَ ذَكَرَ, وَإِذَا نَظَرَ اعْتَبَرَ, وَإِذَا اسْتَغْنَى شَكَرَ, وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ
اللهم اجعلنا من المعتبرين، واجعلنا هداة مهتدين، صالحين مصلحين