الخميس، 28 أكتوبر 2021

الكهان الجدد

 عِبَادَ الله: الرَّغْبَةُ في مَعْرِفَةِ المَجْهُول، أَمْرٌ يُثِيرُ الفُضُول، وَقَدْ يُغَطِّي على العُقُول! فَتَنْسَاقُ إلى الكُهَّانِ والعَرَّافِيْن، مِمَّنْ يَدَّعُوْنَ الغَيب! 

وعِلْمُ الغَيْبِ؛ اسْتَأْثَرَ اللهُ بِه! قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. 

وَمِنْ هُنَا؛ يَنْبَغِي الحَذَرُ مِنَ الكُهَّانِ والعَرَّافِيْن، الَّذِيْنَ يَدَّعُونَ الغَيْبَ بِوَسِيلَةٍ لا تَثْبُتُ حِسًّا ولا عَقْلًا ولا شَرْعًا! وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِك: التَّنْجِيْمُ ،  والخَطُّ على الرَّمْل، وَقِرَاءَةُ الكَفِّ والفِنْجَان، وَنَحْوِ ذلك.

والذَّاهِبُ إلى هَؤلاءِ الكُهَّانِ والعَرَّافِيْن؛ على قِسْمَيْن:

القِسْم الأَوَّل: أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهِمْ ويَسْأَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيق؛ وَإِنَّمَا مِنْ بَابِ الفُضُوْلِ والتَّسْلِيَة! وهذا كَبِيْرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوب؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً).

القِسْم الثَّانِي: أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهِمْ وَيَسْأَلَهُمْ وَيُصَدِّقَهُمْ؛ وَهَذَا تَكْذِيْبٌ لِلْقُرْآن! قال ﷺ: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ فِيمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ).

 وَفِي هَذَا العَصْر؛ تَلَبَّسَتِ الكِهَانَةُ بِأَقْنِعَةٍ جَدِيْدَةٍ، وَأَسْمَاءٍ عَدِيْدَة! كَالْعُلُوْمِ النُّوْرَانِيَّة، والطَّاقَةِ الخَفِيِّة، وَتَحْلِيْلِ الشَّخْصِيَّة: مِنْ خِلَالِ مَعْرِفَةِ الاِسْم، أَوْ اللَّوْنِ المُفَضَّل، أو قِرَاءَةِ الأَبْرَاج!

ومِنَ الكُهَّانِ الجُدُد: الّذِيْنَ يَزْعُمُونَ أَنَّ نِهَايَةَ العَالَمِ سَتَكُوْنُ في وَقْتِ كَذا وكَذا!  وَقَدْ قالَ جِبْرِيْلُ للنبيِّ ﷺ: (فأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ؟)، فقال: (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ!). وإذا كانَ أَشْرَفُ الملائكة، وأَشْرَفُ الرُّسُلِ؛ لا يَعْلَمانِ مَتَى السَّاعَة؛ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ!  ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾.

 

أخي وفقك الله: يَنْبَغِي على المُسْلمِ في تَعَامُلِهِ معَ المَجْهُوْل، والمُسْتَقْبَلِ المَأْمُوْل: أَنْ يَتَوَكَّلَ على الله، مَعَ الأَخْذِ بالأَسْبَابِ المَشْرُوْعَةِ والمُبَاحَة ،  وَأَنْ يَحْذَرَ مِنْ هَؤُلاءِ الكُهَّان؛ وَلَوْ تَلَبَّسُوا بِلِبَاسِ العِلْمِ والدِّيْنِ والطِّب! قالتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ؛ فَقَدْ كَذَبَ)، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾   

إخوة الإيمان:  العُلُوْمُ الَّتِي تُدْرَكُ بالعِلْمِ والتَّجْرِبَة؛ فَإِنَّ الإِخْبَارَ عَنْهَا لا يُعْتَبَرُ مِنْ عِلْمِ الغَيْب، ولا مِنَ الكِهَانَة: كَمَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الطَّقْس، وَوَقْتِ الكُسُوفِ والخُسُوف ومَعْرِفَةِ جِنْسِ الجَنِين، والقِيَافة، والفِرَاسة، وَنَحْوِهَا مِنَ الأُمُوْرِ الَّتِيْ تُدْرَكُ بالحِسِّ والعِلْمِ والتَّجْرِبَة؛ لا بالظَنِّ والوَهْم، أو الرَّجْمِ بالغَيْب، أو الاِسْتِعَانَةِ بِالشّيَاطِيْن!

عباد الله : مِنْ مَعَالِمِ وَأَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي جَاءَ الْإِسْلَامُ بِإِبْطَالِهَا، وَوُجُوبِ الْكُفْرِ بِهَا، خرافات الكهان ودجل العرافين وشعوذة السحرة فلَا يُصَدِّقُهَا إِلَّا جَاهِلٌ قَدْ طَمَسَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ، وَلَوْ حَصَلَ عَلَى أَعْلَى الشَّهَادَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، ولو تستر بقراءة بعض الآيات والأحاديث النبوية.

ومما يؤسف له حال بعض المسلمين الذين يبتعدون عن خالقهم فلا يفزعون إليه، ولا يثقون به، ولا يتوكلون عليه.. ويستوحشون من المستقبل فيستطلعونه عند كل كاهن وعراف ودجال ويتحسسونه في برامج الوهم، وينشدوا تقويم الحياة في قوانين الجذب والطاقة التي يسوق لها في وسائل التواصل والإعلام من نأى بجانبه عن الدين ، أو امتهن التسويق للخرافة والتكسب من الدجل !

فمن تابع هؤلاء بأي مبرر سواء لِلتَّجْرِبَةِ، أَوْ التَّسْلِيَةِ، أَوْ لِلْمُزَاحِ، فَهَذَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَا قَالَ صَلَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))،. فَعُقُوبَةُ مَنْ أَتَى هَؤُلَاءِ حِرْمَانُهُ مِنْ أَجْرِ صَلَاتِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَمَا اقْتَرَفَهُ مِنْ مُنْكَرٍ عَظِيمٍ يَخْسَرُ بِسَبَبِهِ هَذِهِ الْحَسَنَاتِ الْعَظِيمَةَ، وَلَا يَعْنِي هَذَا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي، بَلْ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَى صَلَاتِهِ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَكُونُ قَدْ خَسِرَ بِهَذَا الْعَمَلِ الشَّنِيعِ أُجُورًا عَظِيمَةً، فَإِذَا كَانَتْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَكَيْفَ بِالْفَرَائِضِ؟ فَقَدْ خَسِرَ بِجُرْمِهِ هَذَا وَذَنْبِهِ الْعَظِيمِ مَا هُوَ خَيْرٌ.

ومن فوائد هذا الحديث: تحريم حضور مجالس الباطل والذهاب إلى اهل الفساد.

وتحريم سؤال من ليس بأهل للسؤال. .

وتحريم القول على الله بغير علم خاصة من يظهر من حاله اغواء الناس.

وخطورة الكفر بعد الإيمان وإن ذلك يمكن أن يقع خاصة في زمن ظهور الفساد وفشو الشر.

وخطورة الكهانة والسحر سواء سحر الأجساد والارواح أو سحر العقول وهو أخطر واضر ومنه سحر البيان والمشاهد التي تعرض على الناس لتقلب لهم الحقائق وتلبس عليهم وتضلهم.

اعلموا رحمكم الله : أنه مَن اتخذَ لَهُ مِنْ دُونِ الله ولياً ووكيلاً رَكَنَ إلى ضعفٍ، واستندَ إلى هباءٍ، وتوكل على وَهَن (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أمَّا بَعْدُ..فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى. 

عِبَادَ الله؛ يَقُولُ الله: ((هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ*تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ))، لَقَدْ أَقَامَ الشَّيْطَانُ لِوَاءَ السَّحَرَةِ وَالْكَهَنَةِ بِعَمَلِهِ وَكُفْرِهِ، يَتَلَبَّسُ بِهمُ الشَّيْطَانُ، وَيَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِمْ، وَلِذَا بِعَمَلِهِ الشَّيَاطِيْنُ تَأْلَفُ هَذِهِ النُّفُوْس الخَبِيْثَةُ الَّتِيْ تَدَنَّسَتْ بِالْشَرِّ، وَرَضِيَتْ بِهِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَّل: ((وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ)) وَيَرْتَكِبُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ إِرْضَاءِ أَنْفُسِهِم الخَبِيْثَةِ، وَأَهْوَائِهِمْ الْدَّنِيْئَةِ، الْدَّجَلُ  وَالشِّرْكِيَّات، فَيُبَاشِرُونَ النَّجَاسَاتِ، وَيَأوُونَ إِلَى الأَمَاكِنِ المُسْتَقْذَرَةِ، وصِفَاتهِم الجَهْلُ وَالضَلَالُ، وَالكَذِب وَالبُهْتَان، ويتخذون من وسائل التقنية لإفساد من يصلون إليه ،وكهنة هذا الزمان ودجاجلته تجوب البلدان وتجوس خلال الديار، بأشكال غريبة، واعمال مريب، ، وألعاب مثيرة ، تظهر عبر وسائل اتصال ، تأخذ بعقول الأطفال، وتخدع الكبار ،قال الله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ  ‌وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴾.

الجمعة، 19 فبراير 2021

ما هي حقيقة الإنسان في القرآن وما صفاته ( مصطلح الإنسانية )

 

الحمد لله القائل ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ‌أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله الله بالهدى والنور ليخرج الإنسان من ظلمات الأهواء إلى نور الهدى صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المصلحين وسلم تسليما مزيدا

 من هو الإنسان وما حقيقته كإنسان وما صفاته الإنسانية !!

كلمة الإنسان ذكرها الله  في القرآن أكثر من خمسين مرة  ووصفه الله  بالكثير من الصفات ولكنها كلها صفات ذم ونقص ولم يسلم من هذا الذم إلا المؤمن العامل للصالحات.

ومن صفات ذم الإنسان في القرآن:

1- الإنسان ضعيف

قال الله تعالى : (يريد الله أن يخفف عنكم  وخلق الإنسان ضعيفاً).  

ومن ضعف الإنسان إن عدوه الشيطان يغلبه فعلى الإنسان أن يستمد قوته من ربه ولن يكون ذلك إلا بطاعته.

2- الإنسان كفور

قال الله تعالى : (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ).  

وقال الله تعالى : (  إن الإنسان لكفور مبين).  

 

3- الإنسان قتور ومن طبعه البخل

قال الله تعالى : (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ ‌قَتُورًا).  

4- الإنسان هلوع أي جبل على الضجر فلا يصبر على البلاء. والهلع: هو أشد الحرص  وأسوأ الجزع وأفحشه.

5- الإنسان جزوع. أي يجزع وينخلع قلبه إن أصابه فقر أو مرض أو ذهاب محبوب من مال أو أهل أو ولد . ولا يلتزم بالصبر والرضا بما قدر الله.

6- الإنسان منوع أي : إذا أصابه الخير وحصلت له نعمة من الله من الغنى والسعة ونحو ذلك فهو كثير المنع والإمساك فلا ينفق مما آتاه الله ولا يشكر الله على نعمه وبره.

فيجزع في الضراء ويمنع السراء.

قال الله تعالى : (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ ‌هَلُوعًا ، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ،إِلَّا الْمُصَلِّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ،وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ،لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ،وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ،وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ، إنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ..).  

7- الإنسان يطغى فيتجاوز حدود الله ويخرج عن طاعته

قال الله تعالى : (كلا إن الإنسان ليطغى أن راءه استغنى).  

8- الإنسان يريد الفجور

قال الله تعالى : ﴿بَلْ ‌يُرِيدُ ‌الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ .  

9- الإنسان ينسى ربه وقت الرخاء ويذكره وقت الضر والشدة

فإذا كشف الله ما به أصبح الإنسان يَضِلُ ويُضِلُ عن سبيل الله

قال الله تعالى : (وَإِذَا ‌مَسَّ ‌الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ).  

ويتضرع لله وإليه إذا اصيب بضرر وإذا انعم الله عليه نسب النعمة لنفسه

قال الله تعالى : (فَإِذَا مَسَّ ‌الْإِنْسَانَ ‌ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ).  

10-  13 - الإنسان يفرح بالنعم فرح بطر ويكفر بها ويعرض عن شكرها (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا ‌الْإِنْسَانَ ‌مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ).  

فإذا عاقبه بزوال النعم تحول من البطر إلى صفة ذميمة أخرى وهي اليأس قال الله تعالى : (وَلَئِنْ أَذَقْنَا ‌الْإِنْسَانَ ‌مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ) فإذا رد الله له النعم وأمده بالفضل بدلا من العدل عاد الإنسان للفرح والفخر بنعم الله عليه ونسي فضل الله عليه واعرض عن شكره (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ،إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ).  فلم ولن يسلم من هذه الصفات المذمومة إلا المؤمن الصابر العامل للصالحات.

 

14- الإنسان تسبب له النعمة الاعراض والبعد عن الله

قال الله تعالى : (وَإِذَا أَنْعَمْنَا ‌عَلَى ‌الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا).  

وقال الله تعالى : (وَإِذَا ‌مَسَّ ‌الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)  

15- الإنسان كثير الجدل   بعدما ظهر الحق وبان ، قال الله تعالى : (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ‌وَكَانَ ‌الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا).  

16- الإنسان عجول

قال الله تعالى : (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ‌وَكَانَ ‌الْإِنْسَانُ عَجُولًا ).  

قال الله تعالى : (‌خُلِقَ ‌الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ).  

17- الإنسان لا يمل من دعاء الخير وسرعان ما ييأس ثم يقنط عندما يصاب بما يكره

قال الله تعالى : (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط).  

 18- الإنسان جاحد لنعمة الله ومنكر لفضله عليه

قال الله تعالى: (إن الإنسان لربه لكنود).  

19- الإنسان جهول  وعلامة جهله إنه لا يستبدل هذه الصفات السيئة بالصفات الحسنة إلا من رحم ربي

قال الله تعالى : (وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا).  

20- الإنسان ظلوم    ومن كانت هذه صفاته فقد ظلم نفسه ظلما عظيما ، قال الله تعالى : (واتاكم من كل ما سألتموه وان تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ).  

21- الإنسان خصيم لرب العالمين     ومن كانت هذه صفاته فقد صار خصيما لربه الذي خلقه من نطفة من ماء مهين ،   قال الله تعالى : (أَوَلَمْ ‌يَرَ ‌الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ).  

 

22- الإنسان سافل :  الإنسان الذي هذه صفاته  سقط في الاختبار وهوى في أسفل سافلين إلا المؤمنين الصالحين

قال الله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات فلهم اجر غير ممنون).  

23- الإنسان خاسر : لقد خاسر الإنسان الذي هذه صفاته إلا من أخذ بأسباب السلامة من الخسران واقتحم عقبة الفوز بالرضوان

قال الله تعالى : (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).  

 

الخطبة الثانية

الحمد لله خلق الإنسان وعلمه البيان واشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا رسول رب العالمين إلى العالمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا  .. أما بعد

خلق الله الإنسان مخلوقا مكرما ليعبده ويشكره ﴿وَلَقَدْ ‌كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ 

فإذا قبل الإنسان كرامة الله له وهي ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب واستسلم لله واطاع ربه واجتنب معاصيه وانقاد لشرعه وخضع لأمره زادت كرامته عند الله وصعد في سلم التكريم ومن اعرض واتبع الهوى هوى في أسفل سافلين .

فيا أيها الإنسان لا قيمة لك إلا بالإيمان وطاعة الرحمن ولا سلامة ولا نجاة لك إلا بالعمل الصالح والبر والإحسان ، تأمل في كلام الله وما بينه لك لتطهرنفسك من صفات الذم وتخلع لباس الخسارة (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ ‌فَوْزًا ‌عَظِيمًا) ،  

فالإنسان خاسر جاهل كفور جحود منوع هلوع جزوع عجول يؤوس قنوط كنود فرح فخور خصيم مجادل . فهذه الصفات الإنسانية وهذه حقيقة مصطلح الإنسانية التي يتمدح بالانتساب إليها بعض من لا خلاق لهم وهي شر ووبال على الإنسان والخير والفلاح في الصفات الإسلامية الربانية الإيمانية النبوية (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه اسفل سافلين إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات فلهم اجر غيرممنون)،

فكن ذلك المؤمن العامل بالقرآن الكريم والمتبع لسيد المرسلين والمتصف بصفات أولياء الله الصالحين المصلحين والمتحلي بما يحبه الله من الصفات الطيبة الحميدة.

 واعلموا ﴿إِنَّ ‌أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ 

 

السبت، 16 يناير 2021

معروف الرصافي وقصيدة الأرملة

ڪان الشاعر العراقي  
معروف الرصافي
جالساً في دڪان صديقه محمد علي ، الڪائن أمام جامع الحيدر ببغداد .. 
 بينما ڪان الرصافي يتجاذب أطراف الحديث مع صديقه التتنجي(بائع التتن)، 
وإذا بإمرأة محجبة ، يوحي منظرها العام بأنها فقيرة ، وڪانت تحمل صحنا، وطلبت بالإشارة من صاحبه أن يعطيها بضعة قروش ڪثمن لهذا الصحن ، 
لڪن صاحب الدڪان خرج إليها وحدثها همساً ، فانصرفت المرأة الفقيرة .

هذا الحدث جعل الرصافي يرسم علامات استفهام ڪبيرة ، وقد حيّره تصرف السيدة الفقيرة ، وتصرف صاحبه التتنچي معها همساً ، فاستفسر من صديقه عنها .

فقال له :
 إنها أرملة تعيل يتيمين ، وهم الآن جياع ، وتريد أن ترهن الصحن بأربعة قروش ڪي تشتري لهما خبزاً ، فما ڪان من الرصافي إلا أن يلحق بها وأعطاها اثني عشر قرشاً ڪان ڪل ما يملڪه الرصافي في جيبه ، فأخذت السيدة الأرملة القروش وهي في حالة تردد وحياء ، وسلمت الصحن للرصافي وهي تقول :
" الله يرضى عليك تفضل وخذ الصحن " .. !
فرفض الرصافي وغادرها عائداً إلى دڪان صديقه وقلبه يعتصر من الألم .

عاد الرصافي إلى بيته ، ولم يستطع النوم ليلتها ، وراح يڪتب هذه القصيدة والدموع تنهمر من عينيه ڪما أوضح هو بقلمه وهذا يعني أن ..
( قصيدة الأرملة  المرضعة )
ڪتبت بدموع عيني الرصافي ، فجاء التعبير عن المأساة تجسيداً صادقاً لدقة ورقة التعبير عن مشڪلة اجتماعية استأثرت باهتمام المعلمين في المدارس الابتدائية فيما بعد واعتبروها انموذجاً ، جسّد معاناة الرصافي حيث استأثر بموضوع الفقر والفقراء .

وتعد هذه القصيدة من روائع الشعر العربي في عصر النهضة . 

  *قصيدة الأرملة المرضعة* 

لَقِيتُها لَيْتَنِـي مَا ڪُنْتُ أَلْقَاهَـا
 تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا

أَثْوَابُـهَا رَثَّـةٌ والرِّجْلُ حَافِيَـةٌ
 وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَدِّ عَيْنَاهَـا

بَڪَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا
 وَاصْفَرَّ ڪَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَـا

مَاتَ الذي ڪَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا
 فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَـا

المَوْتُ أَفْجَعَهَـا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا
 وَالهَمُّ أَنْحَلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَـا

فَمَنْظَرُ الحُزْنِ مَشْهُودٌ بِمَنْظَرِهَـا
 وَالبُؤْسُ مَرْآهُ مَقْرُونٌ بِمَرْآهَـا

ڪَرُّ الجَدِيدَيْنِ قَدْ أَبْلَى عَبَاءَتَهَـا
 فَانْشَقَّ أَسْفَلُهَا وَانْشَقَّ أَعْلاَهَـا

وَمَزَّقَ الدَّهْرُ ، وَيْلَ الدَّهْرِ، مِئْزَرَهَا
 حَتَّى بَدَا مِنْ شُقُوقِ الثَّوْبِ جَنْبَاهَـا

تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا
 ڪَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَـتْ زُبَانَاهَـا

حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً
 ڪَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَڪَّتْ ثَنَايَاهَا

تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسْرَى وَلِيدَتَهَا
 حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَـا

قَدْ قَمَّطَتْهَا بِأَهْـدَامٍ مُمَزَّقَـةٍ
  في العَيْنِ مَنْشَرُهَا سَمْجٌ وَمَطْوَاهَـا

مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي ڪُنْتُ أَسْمَعُهَا
 تَشْڪُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَـا

تَقُولُ يَا رَبِّ، لا تَتْرُكْ بِلاَ لَبَنٍ
 هَذِي الرَّضِيعَةَ وَارْحَمْنِي وَإيَاهَـا

مَا تَصْنَعُ الأُمُّ في تَرْبِيبِ طِفْلَتِهَا
 إِنْ مَسَّهَا الضُّرُّ حَتَّى جَفَّ ثَدْيَاهَـا

يَا رَبِّ مَا حِيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ
 ڪَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا

مَا بَالُهَا وَهْيَ طُولَ اللَّيْلِ بَاڪِيَةٌ
 وَالأُمُّ سَاهِرَةٌ تَبْڪي لِمَبْڪَاهَـا

يَڪَادُ يَنْقَدُّ قَلْبِي حِينَ أَنْظُرُهَـا
 تَبْڪِي وَتَفْتَحُ لِي مِنْ جُوعِهَا فَاهَـا

وَيْلُمِّهَا طِفْلَـةً بَاتَـتْ مُرَوَّعَـة
 وَبِتُّ مِنْ حَوْلِهَا في اللَّيْلِ أَرْعَاهَـا

تَبْڪِي لِتَشْڪُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَـا
 وَلَسْتُ أَفْهَمُ مِنْهَا ڪُنْهَ شَڪْوَاهَـا

قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ ڪَالعَجْمَاءِ ، أَرْحَمُهَـا
 وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّقْمِ آذَاهَـا

وَيْحَ ابْنَتِي إِنَّ رَيْبَ الدَّهْرِ رَوَّعَهـا
 بِالفَقْرِ وَاليُتْمِ ، آهَـاً مِنْهُمَا آهَـا

ڪَانَتْ مُصِيبَتُهَا بِالفَقْرِ وَاحَـدَةً
 وَمَـوْتُ وَالِدِهَـا بِاليُتْمِ ثَنَّاهَـا

هَذَا الذي في طَرِيقِي ڪُنْتُ أَسْمَعُـهُ
 مِنْهَا فَأَثَّرَ في نَفْسِي وَأَشْجَاهَـا

حَتَّى دَنَوْتُ إلَيْهَـا وَهْيَ مَاشِيَـةٌ
 وَأَدْمُعِي أَوْسَعَتْ في الخَدِّ مَجْرَاهَـا

وَقُلْتُ : يَا أُخْتُ مَهْلاً إِنَّنِي رَجلٌ
 أُشَارِكُ النَّاسَ طُرَّاً في بَلاَيَاهَـا

سَمِعْتُ يَا أُخْتُ شَڪْوَى تَهْمِسِينَ بِهَا
 في قَالَةٍ أَوْجَعَتْ قَلْبِي بِفَحْوَاهَـا

هَلْ تَسْمَحُ الأُخْتُ لِي أَنِّي أُشَاطِرُهَا
 مَا في يَدِي الآنَ أَسْتَرْضِي بِـهِ اللهَ

ثُمَّ اجْتَذَبْتُ لَهَا مِنْ جَيْبِ مِلْحَفَتِي
 دَرَاهِمَاً ڪُنْـتُ أَسْتَبْقِي بَقَايَاهَـا

وَقُلْتُ يَا أُخْتُ أَرْجُو مِنْكِ تَڪْرِمَتِي
 بِأَخْذِهَـا دُونَ مَا مَنٍّ تَغَشَّاهَـا

فَأَرْسَلَتْ نَظْرَةً رَعْشَـاءَ رَاجِفَـةً
 تَرْمِي السِّهَامَ وَقَلْبِي مِنْ رَمَايَاهَـا

وَأَخْرَجَتْ زَفَرَاتٍ مِنْ جَوَانِحِهَـا
 ڪَالنَّارِ تَصْعَدُ مِنْ أَعْمَاقِ أَحْشَاهَـا

وَأَجْهَشَتْ ثُمَّ قَالَتْ وَهْيَ بَاڪِيَـةٌ
 وَاهَاً لِمِثْلِكَ مِنْ ذِي رِقَّةٍ وَاهَـا

لَوْ عَمَّ في النَّاسِ حِسٌّ مِثْلُ حِسِّكَ لِي
 مَا تَاهَ في فَلَوَاتِ الفَقْرِ مَنْ تَاهَـا

أَوْ ڪَانَ في النَّاسِ إِنْصَافٌ وَمَرْحَمَةٌ
 لَمْ تَشْكُ أَرْمَلَةٌ ضَنْڪَاً بِدُنْيَاهَـا

هَذِي حِڪَايَةُ حَالٍ جِئْتُ أَذْڪُرُهَا
 وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَى الأَحْرَارَ فَحْوَاهَـا

أَوْلَى الأَنَامِ بِعَطْفِ النَّاسِ أَرْمَلَـةٌ
 وَأَشْرَفُ النَّاسِ مَنْ بِالمَالِ وَاسَاهَـا
__________
هذه القصيدة لا يعرفها 
إلا الجيل الذهبي .

الثلاثاء، 12 يناير 2021

الدعوة إلى وحدة الأديان كفر وما يسمى بالدين الإبراهيمي او البيت الإبراهيمي تكذيب لله ورسوله

فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء في وحدة الأديان

 
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله:
فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء استعرضت ما ورد إليها من تساؤلات، وما ينشر في وسائل الإعلام من آراء ومقالات بشأن الدعوة إلى (وحدة الأديان): دين الإسلام، ودين اليهود، ودين النصارى، وما تفرع عن ذلك من دعوة إلى بناء: مسجد وكنيسة ومعبد في محيط واحد، في رحاب الجامعات والمطارات والساحات العامة، ودعوة إلى طباعة القرآن الكريم والتوراة والإنجيل في غلاف واحد، إلى غير ذلك من آثار هذه الدعوة، وما يعقد لها من مؤتمرات وندوات وجمعيات في الشرق والغرب. 
وبعد التأمل والدراسة فإن اللجنة تقرر ما يلي:
أولاً: أن من أصول الاعتقاد في الإسلام، المعلومة من الدين بالضرورة، التي الاعتقاد في الإسلام، المعلومة من الدين بالضرورة، التي أجمع عليها المسلمون: أنه لا يوجد على وجه الأرض دين حق سوى دين الإسلام، وأنه خاتمة الأديان، وناسخ لجميع ما قبله من الأديان والملل والشرائع، فلم يبقَ على وجه الأرض دين يُتعبد الله به سوى الإسلام، قال الله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) {آل عمران: 85}. والإسلام بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم هو ما جاء به دون ما سواه من الأديان.
ثانيًا: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام أن كتاب الله ــ تعالى ــ: (القرآن الكريم) هو آخر كتب الله نزولاً وعهدًا برب العالمين، وأنه ناسخ لكل كتاب أنزل من قبل من التوراة والزبور والإنجيل وغيرها، ومهيمن عليها، فلم يبق كتاب منزل يُتعبد الله به سوى: (القرآن الكريم) قال الله تعالى
وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق {المائدة: 48}.
ثالثًا: يجب الإيمان بأن (التوراة والإنجيل) قد نُسِخا بالقرآن الكريم، وأنه قد لحقهما التحريف والتبديل بالزيادة والنقصان كما جاء بيان ذلك في آيات من كتاب الله الكريم منها قول الله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم) {المائدة: 13}
وقوله جل وعلا: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون {البقرة: 79}. وقوله سبحانه: وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون {آل عمران: 78}.
ولهذا فما كان منها صحيحًا فهو منسوخ بالإسلام، وما سوى ذلك فهو محرف أو مبدل. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غضب حين رأى مع عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال ــ عليه الصلاة والسلام ــ: "أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! ألم آتِ بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي"(رواه احمد والدارمي وغيرهما) .
رابعًا: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام: أن نبينا ورسولنا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين، كما قال الله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) {الأحزاب: 40}.
فلم يبق رسول يجب اتباعه سوى محمد صلى الله عليه وسلم ، ولو كان أحد من أنبياء الله ورسله حيًا لما وسعه إلا اتباعه صلى الله عليه وسلم ــ وأنه لا يسع أتباعهم إلا ذلك ـ كما قال الله تعالى: )وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكــم إصـري قالوا أقررنــا قال فاشهــدوا وأنا معكم من الشاهــدين ) {آل عمران: 81}.
ونبي الله عيسى ــ عليه الصلاة والسلام ــ إذا نزل في آخر الزمان يكون تابعًا لمحمد صلى الله عليه وسلم وحاكمًا بشريعته. وقال الله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) {الأعراف: 157}.
كما إن من أصول الاعتقاد في الإسلام أن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم عامة للناس أجمعين، قال الله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) {سبأ: 28} وقال سبحانه: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) {الأعراف: 158} وغيرها من الآيات
خامسًا: ومن أصول الإسلام أنه يجب اعتقاد كفر كل من لم يدخل في الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم وتسميته كافرًا، وأنه عدو و ورسوله والمؤمنين، وأنه من أهل النار كما قال تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ) {البينة: 1}
وقال جل وعلا: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) {البينة: 6} وغيرها من الآيات.
وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار".
ولهذا: فمن لم يكفِّر اليهود والنصارى فهو كافر، طردًا لقاعدة الشريعة: (من لم يكفِّر الكافر فهو كافر).
سادسًا: وأمام هذه الأصول الاعتقادية والحقائق الشرعية؛ فإن الدعوة إلى: (وحدة الأديان) والتقارب بينها وصهرها في قالب واحد دعوة خبيثة ماكرة، والغرض منها خلط الحق بالباطل، وهدم الإسلام وتقويض دعائمه، وجرُّ أهله إلى ردة شاملة، ومصداق ذلك في قول الله ــ سبحانه ــ: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) {البقرة: 217} وقوله جل وعلا: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) {النساء: 89} .
سابعًا: وإن من آثار هذه الدعوة الآثمة إلغاء الفوارق بين الإسلام والكفر، والحق والباطل، والمعروف والمنكر، وكسر حاجز النفرة بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله، والله ــ جل وتقدس ــ يقول: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) {التوبة: 29}
ويقول ــ جل وعلا ــ: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين ){التوبة:36}
ثامنًا: إن الدعوة إلى (وحدة الأديان) إن صدرت من مسلم فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام؛ لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد فترضى بالكفر بالله ــ عز وجل ــ، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان؛ وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعًا محرمة قطعًا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن وسنة وإجماع.
تاسعًا : وتأسيسًا على ما تقدم:
1 ــ فإنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولاً، الدعوة إلى هذه الفكرة الآثمة، والتشجيع عليها، وتسليكها بين المسلمين، فضلاً عن الاستجابة لها، والدخول في مؤتمراتها وندواتها، والانتماء إلى محافلها.
2 ــ لا يجوز لمسلم طباعة التوراة والإنجيل منفردَين، فكيف مع القرآن الكريم في غلاف واحد!! فمن فعل ذلك أو دعا إليه فهو في ضلال بعيد، لما في ذلك من الجمع بين الحق (القرآن الكريم) والمحرف أو الحق المنسوخ (التوراة والإنجيل).
3 ــ كما لا يجوز لمسلم الاستجابة لدعوة: (بناء مسجد وكنيسة ومعبد) في مجمع واحد، لما في ذلك من الاعتراف بدين يعبد الله به غير دين الإسلام، وإنكار ظهوره على الدين كله، ودعوة مادية إلى أن الأديان ثلاثة ولأهل الأرض التدين بأي منها، وأنها على قدم التساوي، وأن الإسلام غير ناسخ لما قبله من الأديان، ولا شك أن إقرار ذلك أو اعتقاده أو الرضا به كفر وضلال؛ لأنه مخالفة صريحة للقرآن الكريم والسنة المطهرة وإجماع المسلمين، واعتراف بأن تحريفات اليهود والنصارى من عند الله، ــ تعالى الله عن ذلك ــ.
كما أنه لا يجوز تسمية الكنائس (بيوت الله) وأن أهلهـا يعبـــدون الله فيها عبادة صحيحة مقبولة عند الله؛ لأنهـــا عبادة على غير ديـــن الإسلام، والله ــ تعالى ــ يقول: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) {آل عمران: 85} بل هي: بيوت يُكفر فيها بالله. نعوذ بالله من الكفر وأهله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله تعالى ــ في مجموع الفتاوى (22-162): "ليست ــ أي: البيع والكنائس ــ بيوت الله، وإنما بيوت الله المساجد، بل هي بيوت يُكفر فيها بالله، وإن كان قد يذكر فيها؛ فالبيوت بمنزلة أهلها وأهلها كفار، فهي بيوت عبادة الكفار".
عاشرًا: ومما يجب أن يُعلم أن دعوة الكفار بعامة وأهل الكتاب بخاصة إلى الإسلام واجبة على المسلمين بالنصوص الصريحة من الكتاب والسنة؛ ولكن ذلك لا يكون إلا بطريق البيان والمجادلة بالتي هي أحسن، وعدم التنازل عن شيء من شرائع الإسلام؛ وذلك للوصول إلى قناعتهم بالإسلام ودخولهم فيه، أو إقامة الحجة عليهم ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة قال الله ــ تعالى ــ:
(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) {آل عمران: 64}.
أما مجادلتهم واللقاء معهم ومحاورتهم لأجل النزول عند رغباتهم، وتحقيق أهدافهم، ونقض عُرَى الإسلام ومعاقد الإيمان فهذا باطل يأباه الله ورسوله والمؤمنون؛ والله المستعان على ما يصفون. قال تعالى: (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك )
{المائدة: 49}
وإن اللجنة إذ تقرر ذلك وتبينه للناس فإنها توصي المسلمين بعامة وأهل العلم بخاصة بتقوى الله تعالى ومراقبته، وحماية الإسلام، وصيانة عقيدة المسلمين من الضلال ودعاته، والكفر وأهله، وتحذرهم من هذه الدعوة الكفرية الضالة: (وحدة الأديان)، ومن الوقوع في حبائلها، ونعيذ بالله كل مسلم أن يكون سببًا في جلب هذه الضلالة إلى بلاد المسلمين وترويجها بينهم.
نسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاتـه العلى أن يعيذنــا جميعــًا من مضــلات الفـتن، وأن يجعلنا هـــداة مهتدين، حماة للإسلام على هدى ونور من ربنا حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، وبالله التوفيــق، وصلى الله وسلم على نبينا محمـد وعلى آله وصحبه أجمعين(1).
__________
(1) فتوى صدرت برقم 19402 في 25-1-1418هـ عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء (الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء) السعودية. واللجنة التي أصدرت هذه الفتوى مكونة من سماحة الرئيس العام ومفتي عام المملكة العربية السعودية (الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز) رئيسًا و(الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله آل الشيخ نائبًا) وعضوية كل من الشيخ د. بكر أبو زيد، و الشيخ د. صالح بن فوزان الفوزان.

الخميس، 26 نوفمبر 2020

حملة الوحي " خطبة جمعة "

 

 {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}

وأشهد بما شَهِدَ الله تَعَالَى به -وَكَفَى بِهِ شَهِيدًا، وَهُوَ أَصْدَقُ الشَّاهِدِينَ وَأَعْدَلُهُمْ، وَأَصْدَقُ الْقَائِلِينَ- ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ فهو المتفَرد بِالْإِلَهِيَّةِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ، وَأَنَّ الْجَمِيعَ عَبِيدُهُ وَخَلْقُهُ، وَالْفُقَرَاءُ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ وهو ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الْعَزِيزُ: الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ عَظَمَةً وَكِبْرِيَاءً، الْحَكِيمُ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ.

والصَّلاة والسَّلام على رسول الهدى الذي أمره الله بالعلم قبل العمل في قوله -جلّ ثناؤه-: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}، وعلى آله وأصحابه ومَنْ بأثره اقتفى والتزم. وبعد

حملة الوحي وما أدراك ما حملة الوحي ! الوحي هو علم صادر من الله إلى رسله للعلم به والعمل وتبليغه للناس.

فالوحي من الله هو الذي أوحاه ، وحملته من أهل السماء هم الملائكة وعلى رأسهم جبريل ، ومن أهل الأرض رسولنا محمد الذي عمل به وعلمه وبلغه ،وحملة الوحي الذي حملوه عن رسولنا هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان من أهل العلم العاملون بعلمهم.. فهيا بنا لنرى منزلة حملة الوحي عند الله!

قد قَرَنَ الله شَهَادَةَ مَلَائِكَتِهِ وَأُولِي الْعِلْمِ بِشَهَادَتِهِ فَقَالَ: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مقام حمل الوحي وتبليغ الرسالة والذود عن ميراث الأنبياء      

 وفي هذه الآية دليل على شرف أهل العلم حملة الوحي من وجوه كثيرة:  ومنها:

أحدها : استشهاد الله بهم دون غَيرهم من البشر.. واقتران شَهادَتهم بِشَهادَتِهِ وبِشَهادَة مَلائكَته

والثاني: إن استشهاد الله بهم فيه تزكيتهم وتعديلهم فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العُدُول ومِنه الأثر المَعْرُوف  " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين» . فهم أمناء على ما استرعاهم الله عليه من الوحي والعمل به وتبليغه إلى الناس.

 الثالث: أنه سُبْحانَهُ اسْتشْهد بِنَفسِهِ وهو أجل شاهد ثمَّ بِخِيار خلقه وهم مَلائكَته والعُلَماء من عباده والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العَظِيم أكابر الخلق وساداتهم ويكفيهم بِهَذا فضلا وشرفا.

الرّابِع : أنه سُبْحانَهُ جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به   فهم بِمَنزِلَة آدلته وآياته وبراهينه الدّالَّة على دينه وتوحيده.

الخامِس: جاء في تَفْضِيل العلم وأهله من حملة الوحي أنه سُبْحانَهُ نفي التَّسْوِيَة بَين أهله وبَين غَيرهم كَما نفى التَّسْوِيَة بَين أصحاب الجنَّة وأصحاب النّار فَقالَ تَعالى ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ كَما قالَ تَعالى ﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴾ وهَذا يدل على غايَة فَضلهمْ وشرفهم.

السادس: أنه سُبْحانَهُ جعل حملة الوحي هم حملة النور في الناس وجعل أهل الجَهْل بِمَنزِلَة العميان الَّذين لا يبصرون فَقالَ (أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى} فَما ثمَّ إلا عالم أوْ أعمى، وقد وصف سُبْحانَهُ أهل الجَهْل بِأنَّهُم صم بكم عمي في غير مَوضِع من كِتابه.

السابع: أنه سُبْحانَهُ أمر بسؤال حملة الوحي والرُّجُوع إلى أقْوالهم وجعل ذَلِك كالشَّهادَةِ مِنهُم فَقالَ ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ وأهل الذّكر هم أهل العلم بِما أنْزلْ على الأنبياء.

ثامنا: أنه سُبْحانَهُ أخبر عَن رفْعَة دَرَجات أهل العلم حملة الوحي وأهل الإيمان   فَقالَ تَعالى ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ ﴾ .

 الوَجْه التّاسِع : أنه سُبْحانَهُ أخبر أن حملة الوحي هم أهل العلم وأهل خَشيته بل خصهم من بَين النّاس بذلك فَقالَ تَعالى ﴿إنَّما يخْشى اللهَ من عباده العلماء ﴾ وهَذا حصر لخشيته في أولي العلم ، وقالَ تَعالى ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾  وَقد أخبر أن أهل خَشيته هم العلماء فَدلَّ على أن هَذا الجَزاء المَذْكُور للْعُلَماء بِمَجْمُوع النصين.وَقالَ ابْن مَسْعُود رضى الله عَنهُ كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بِالله جهلا.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه. والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا.

إن حملة الوحي هم أهل العلم العاملون بكتاب الله وسنة رسوله حفظا وفهما وعملا ودعوة وبلاغا .

وإن من خاصة حملة الوحي أهل الحديث الذي قضوا حياتهم في حفظ سنة الرسول وافنوا أعمارهم في الانشغال بحديثه دراية ورواية وجمعوا سنته في الكتب ودافعوا عنها وحفظوها من إفك الكاذبين وإن من أئمة حملة الوحي الإمام البخاري الذي جمعا بعضا من سنة الرسول في كتابه فمن طعن في كتاب البخاري فهو طاعن في الرسول وهذا يتضمن الطعن في الوحي بأكمله .

عباد الله : إن نشأة ضلالة انتقاص حملة الوحي سنة الكفار الغابرين واليهود رؤوس في هذه الضلالة فقد عادوا جبريل عليه السلام أمين الله على وحيه كما أخبرنا الله بقوله {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)

عباد الله : إن حملة الوحي لهم مكانة عظيمة عند الله فقد جعل الله من أركان الإيمان العظيمة الإيمان بالملائكة الذين منهم حملة الوحي والإيمان بالكتب التي هي الوحي المنقول إلى الرسل و الإيمان بالرسل الذين أوحى الله إليهم تبليغ الناس واخراجهم من الظلمات إلى نور الوحي قال الله تعالى: {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}

المسارعة " خطبة جمعة "

 

 المسارعة ماذا تعني وفيما تكون

المسارعة والمسابقة والمبادرة والاستعجال إلى الشيء الفاظ متقاربة .

المسارعة أخبرنا الله في كتابه إن كل إنسان يسارع فيما يحسنه ويحبه ويهتم به [وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]

فأهل الكفر يسارعون في كفرهم ويحرصون على الاستمرار فيه ، قال الله تعالى : {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

وأهل النفاق الذين قالوا أمنَّا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم يشابهون اليهود في المسارعة في الكفر وتحريف الدين والتنافس في الكذب وأكل الحرام ومتابعة من ضل عن صراط الله المستقيم  ، قال الله تعالى : {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

وأهل الفسق والظلم وأكلة الحرام يسارعون في الإثم ويتسابقون في معصية الله ، قال الله تعالى : {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

ومن اعرض عن طاعة الله ورسوله وقع في طاعة أعداء الله

، قال الله تعالى : {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ}

فهذه نماذج من مسارعة الذين اغواهم الشيطان وعصوا ربهم وقُـبْـح مسارعتهم إلى الهلاك والنار !!

 

وفي الجانب الآخر لنرى مسارعة أولياء الله الصالحين من الرسل عليه السلام واتباعهم بحق وإحسان وإلى إي شيء يسارعون!!

إنهم يسارعون إلى طاعة الله ويبادرون إلى مغفرته ويستعجلون إلى رضوانه ويسابقون إلى جنته

، قال الله تعالى : {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}

وقال الله واصفا لنا حال رسله المصطفين الأخيار، : {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}

وعلامة الإيمان الصحيح إنه يقود صاحبه للمسارعة في الخيرات ، قال الله تعالى : {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}

وعلامة السعداء أهل التقى والنقاء إنهم يسارعون إلى ما يرضي الله ويسابقون فيما يحبه ، قال الله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ  * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} عن عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}

قَالَ الْحَسَنُ: عَمِلُوا وَاللَّهِ بِالطَّاعَاتِ، وَاجْتَهَدُوا فِيهَا، وَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ جَمَعَ إِحْسَانًا وَخَشْيَةً، وَالْمُنَافِقَ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْنًا.

الخطبة الثانية

 إن اللَّه عزّ وجلّ أمر بالمسارعة بالطاعات والمسابقة الى التزود من الحسنات {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ}  {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} فيا أيها الرجل المريد نجاته كن من الذين (يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاِت وَهُمْ لَهَا سَابِقُون)  فأولئك  يسارعون الموت ويسابقون الفوت ويسارعون الغافلين ويسابقون البطالين.

إن المسارعة الى الخيرات فيها مبادرة إلى الطاعة واستجابة لله ورسوله ومسابقة الى جنته ورضوانه.

وإن المسارعة الى ما تهوى الأنفس مشغلة للنفس بما يضرها وإساءة لها ومضيعة للعمر وخسارة في الآخرة.

 عباد الله : المسارعون شتى:

منهم من يسارع في الكفر، ومسرع إلى النفاق، وسريع بالإثم وإليه وفيه، ومسارع إلى جنة عرضها السموات والأرض وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قال الله تعالى : {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}